كشف حساب ٤ سنوات : د.ايمن رفعت المحجوب

قبل انتخاب الرئيس الجديد لمصر يجب أن نقيس بمعيار علمى لا بالمشاعر والعواطف  الموقف الحالى للبلاد من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية،  وما كنا علية منذ ٤ سنوات حتى نحكم حكم العدل والإنصاف على من يحكم الآن ومن سوف يحكم غدا.

 فكنت قد أوضحت في مقال سابق منذ حوالى خمسة أشهر دور النفقات العامة (الحقيقية والتحويلية) في إعادة توزيع الدخل القومي في مصر. وانتهيت إلى أن النفقات العامة التحويلية المباشرة وغير المباشرة ، والمعروفة “بالنفقات التوزيعية ” هي الأكثر استخداماً في الدول المتقدمة ، وأوصيت بضرورة التوسع فيها في مصر للحد بين الفوارق الكبيرة بين الطبقات الاجتماعية والدخول والثروات. واليوم وبعد تعويم الجنيه أمام الدولار وارتفاع الأسعار بأكثر من 30% حسب تقرير مجلس الوزراء  أصبح من الضرورى أن ننبه الى  التقسيمات المختلفة للنفقات العامة في مصر أثرها الحقيقي في إعادة توزيع الدخل القومي ، لتحديد درجة فاعليتها في تحقيق الأهداف المرجوة منها ، مع وضع تقسيم محدد للمنافع العامة الموزعة على المواطنين. وذالك للحد من الآثار السلبية للإصلاح الاقتصادي على جموع الشعب وخاصة الفقراء و محدودى الدخل.

ونبدأ أولاً؛ بالمبالغ النقدية التي تخصصها الدولة لدفع الأجور والمرتبات وأثمان السلع والخدمات العامة الأخرى التي تشتريها الدولة. ونقصد هنا المبالغ ألا نقوم  بنسبتها الى الدين العام  وذلك لحصلوا عليها على أنها اعادة توزيع الدخل القومى , لانها تعتبر بالنسبة لهم نوعنا من التوزيع الأولي. وثانياً؛ فوائد الدين العام واستهلاكاته ، وسواء في ذلك القروض الانتاجية أو الاستهلاكية ، ونقصد هنا المبالغ ألا نقوم بنسبتها الى حاملي السندات الحكومية على أنها أيضاً إعادة توزيع للدخل القومي بالنسبة لهم , وذلك أنهم إنما حصلوا عليها مقابل تقديم خدمة للدولة ، وهي اقراض الدولة مبلغاً من المال. ولكن , وعلىعكس فوائد الدين الانتاجي , تعتبر فوائد الدين الاستهلاكي  ضمن المنافع غير القابلة للانقسام ، فهي قد مولت المنافع التي وزعت على المواطنين دون مقابل. وثالثاً؛ السلع والخدمات الاجتماعية (أو الاقتصادية) التي تقوم الدولة بتوزيعها على الشعب بمقابل يغطي فقط نفقة الانتاج.

وعلى هذا الأساس السابق نقتصر ونحن بصدد تحليل أثار النفقات العامة في اعادة توزيع الدخل القومي على الشعب المصرى، على نوعين من المنافع وهما: أولا.الاعانات النقدية ، سواء كانت لأغراض اقتصادية أو لأغراض اجتماعية ، ثانيا.السلع والخدمات التي توزع على الشعب بالمجان أو بثمن أقل من تكلفة الانتاج. ومن هنا يثوم التساؤل لمعرفة كيفية تقويم النفقات العامة ، أي لمعرفة كيفية تقويم السلع والخدمات العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين بالمجان ، وهل نعتمد في ذلك على ثمن السوق أم على ثمن مدخلات الانتاج. ومعنى ذلك أن هناك فرق بين ثمن السوق وثمن التكلفة ، وعليه لا يصح الاعتماد على ثمن السوق في تقويم المنافع العامة وذلك لأنه لا يدل على حقيقة التحويلات التي تقوم بها الدولة ، وذلك لاشتماله على الضرائب (المباشرة وغير المباشرة) ومضافاً إليه هامش الربح. لذلك يكون من الضروري أن نعتمد في تقويم السلع والخدمات العامة على “ثمن العوامل” (أي نفقة الانتاج) لأعلى “ثمن السوق”.

ومن هنا نخلص إلى أنه لا يصح ، ونحن بصدد قياس تقويم نسبة ما تقدمه الدولة من منافع عامة للمواطنين الى نفقاتها ، أن نعتمد على أسعار السوق ، بل يجب أن نقومها بأسعار تكلفة عوامل الانتاج ، وذلك لأن سعر السوق يختلف كثيراً عن ثمن العوامل ولا يترجم حقيقة التحويل ويرفع نسبة الاعانات الممنوحة من الدولة للمواطنين ، مما يضلل أيضاً حقيقة حسابات إعادة توزيع الدخل القومي ويزيد الموازنة العامة للدولة عجزاً. وان كان البعض يجادل هذا المنطق الحسابى معتمدا على “نظرية تكلفة الفرصة البديلة” , والرد هنا بسيط وهو الدور الاجتماعى للدولة فى تحقيق التوازن المجتمعى الذى يحقق السلام الاجتماعى , حتى لو كان على حساب المكاسب الاقتصادية.

وفي النهاية يتبقى أن نشير ونحن بصدد قياس كيفية التوزيع لمنافع النفقات العامة بين أفراد المجتمع ، أن نفرق بين نوعين من النفقات العامة وهما ، النفقات التي تعطي منافع غير قابلة للانقسام ( أي التي تعطي منافع يستفيد منها كثير من المواطنين معاً) ، دون أن نعني فرداً بذاته. والنفقات التي تعطي منافع قابلة للانقسام ( أي التي يستفيد منها فرداً بذاته) وهنا يتطلب الأمر منا توضيح ودراسة أوسع ، سوف نفرد له مقالا أخر. إلا أنة تظل عمليه قياس كيفية توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي على الشعب قضية تطرح نفسها كل يوم على الساحة بشدة حتى تتحقق عدالة التوزيع وتتحقق العدالة الاجتماعية كاملة في مصر.

وهذا ما يجب أن ينتبه إليه الرئيس القادم لمصر ، لأن اهم ما يشغل المواطن المصرى العادى ( والذى يمثل أكثر من 85% من الشعب ) هو الخدمات العامة والسلع المدعمة والصحة والتعليم. وليس معدل النمو ولا الدين العام الداخلى او الخارجى  ولا حتى مصطلحات الاستثمار المباشر أو غير المباشر. هو يريد ترجمة على أرض الواقع من حياة أفضل لة و لاسرتة، ولا يقدر ان يتحمل أكثر من ذلك فاتورة الإصلاح الاقتصادى.