صانع الحدث و الضحية و ما يعرف بالقضاء القدر !!!!!!

 سنسير فى هذا المقال سيرتنا فى البحث فنبدأ بدراسة الموضوع “القضاء والقدر” من جانب الماديات ثم نطبق نظامها على ما فوقها من القوانين الكونية.

‎فكما قدمنا فى مقالات سابقة أن التركيب الداخلى للذرة لا يتأثر بالتفاعلات الكيميائية التى تتعرض لها عند انفصالها أو تتحد مع ذرات أخرى ، وذلك يدل كما شرحنا من قبل أن القوانين الأعلى لا تؤثر ولا تغير شيئاً ممن يكون أدنى منها من القوانين .

‎وكذلك قوانين الفيزياء لا تؤثر فى قوانين الكيمياء والأمر واحد لو تحدثنا عن القوانين البيولوجية وجدنا أنها لا تستطيع أن تغير من القوانين الكيميائية ولا الفيزيائية.

‎وإذا انتقلنا إلى ” الحياة ” نجد أنها لا تستطيع تغيير القوانين المادية ، فالقوانين الإنسانية كذلك لا تقدر على تغيير قوانين الحياة الحيوانية فى الإنسان !. فالمعنويات مثلاً لا تؤثر فيما هو بيولوجى خالص فى حياة البشر.

‎فالحب لا يؤثر فى نمو جسم الإنسان ، ولا يؤثر فى إخلاص الآباء وحبهم لأبنائهم فى الوراثة فيكبر الابن على صفات جميلة ، ما يطلق عليها اليوم “الجينات الوراثية “والضمير الحى لا يزيد من مقاومة الجسد للأمراض.

‎كل ذلك يدل على صواب القول بأن القوانين العليا لا تغير من القوانين الدنيا وإن كان الأمر بين المعنويات والحياة ، وفى الواقع العملى أكثر تعقيداً مما يكون بين الحياة والمادة.

‎لأن قوانين الحياة فيها مرونة واتساع ، وفيها فرجة تسمح بحدوث أمور مختلفة كلها مطابقاً لها وهو ما يحدث فى القوانين المادية .

‎ثم أن ازدواج وظيفة “المخ” من حيث هو عضو حيوانى متصل بالجسم كله ، ومن حيث هو عضو “العقل” الذى هو جهاز قبول القوانين المعنوية عند الإنسان ، والتأثير بها يجعل للمعنويات أثرا فى الفصل بين الجزء الحيوانى والبشرى فى جسم الإنسان الواحد ومع ذلك هذا لا يغير من القواعد الكونية فى مجموعها ، وأن القوانين لا تعمل إلا فيما هى مهيأة له ، ولا تعتبر من القوانين التى تكون أدنى منها شيئاً ، على طول الخط البحثى إلا أن هناك أثراً هاماً تحدثه القوانين والأشياء العليا فى القوانين والأشياء الدنيا دون أن تغيرها

‎ذلك أن “الأعلى يستطيع أن يؤثر فى تاريخ

حياة الأدنى منه “.وان أن هناك أثرا مهما تحققه القوانين والأشياء العليا فى الدنيا منها دون أن تغيرها، بحيث الأعلى فى القوانين يؤثر فى “تاريخ الحياة” الأدنى فالقوانين الفيزيائية لا تغير من كيمياء جزىء الماء، ولكنها تحدد لها تاريخ حياته فترفعه إلى السماء ليصبح سحاباً أو تدخله فى جذور شجرة الورد ليخلق بإذن الله وردة، والكيمياء أيضاً لا تغير من تركيب الذرة ولكنها تحدد لها مستقبلها فتجعلها جزءاً من البارود يتفجر.

كذلك القوانين الحيوانية لا تغير من القوانين الأدنى ولكنها تحدد مستقبل المادة الحية لتكون إما جزءاً من خلية فى قلب الإنسان أو فى كبده، وهذا الذى يحدث للشىء الأدنى فى تاريخ حياته، والذى لا يجد له هذا الشىء تفسيراً لأنه لا يتعلق بقوانينه هو، والذى يحدث من أثر فعل القوانين العليا، هذا الأثر هو عند الشىء الأدنى “القضاء والقدر” من قدرة المولى عز وجل، والذى ينظر إليه من جانب التفسير العلمى على أنه من “نظرية تفاضل القوانين” تعريفاً للقضاء والقدر من أفعال الطبيعة. فالحيوان الذى يذبح قرباناً لله لا يرى شيئاً عن القوانين الإنسانية والتى دفعت الإنسان إلى هذا العمل، وهو أمر لا يمكن تفسيره عن الحيوان بأى قانون طبيعى أيضاً. لهذا يكون الذبح عند الحيوان “قضاء وقدر”، شىء لا يفهم سببه ولا نظامه ولا قانونه.

أما ما حدث حين يعمل قانون أدنى فيما هو أعلى فلا يعد قضاء وقدر، وإن حسبه أكثر الناس كذلك فإذا سقطت صخرة على طفل نائم فقتلته، فإن من الناس من يعد ذلك قضاء وقدر وهذا خطأ، لأنه ليس فى هذا الحدث شىء يسوء عن أن يفهمه القاتل أو المقتول، أما الذبح (الأضحية) فهو أمر لا يمكن أن يفهمه الكبش أبداً وإن فهمه الإنسان (صانع الحدث) فهو بالنسبة للكبش قضاء وقدر، وبالنسبة للإنسان أمر طبيعى بنى على قانون أعلى وهو التقرب إلى الله.

هذا هو القضاء والقدر، وتطبيق ذلك على الإنسان يكون بغرض أن هناك أشياء وقوانين أعلى من الإنسان، تحدد تاريخ حياته دون أن تغير من قوانينه شيئا، فتذهب به إلى الصلاة مثلاً فهو لا يفهم النظام الذى يدفع به إلى هذا، ويكون أثر هذه الأشياء التى هى مهيئة لقبولها والتى هى سر وجودها. والقانون الأعلى فى تاريخ الحياة يعمل فى ما هو أدنى منه دون أن يغيره، والأثر الذى يحدثه القانون الأعلى فى حياة ما هو أدنى منه .

د. أيمن رفعت المحجوب

 أستاذ الاقتصاد السياسي والمالية العامة جامعة القاهرة