إلى متى سوف تظل دورة الفقر المعيبة فى مصر: د.ايمن رفعت المحجوب

جرت العادة أن يتوقف تكوين رؤوس الأموال العينية فى أى اقتصاد بالدرجة الأولى على مستوى الطلب الكلى «الحقيقي». أى بعبارة أخرى على «الطلب على أموال الاستثمار» فى هذا البلد. ونؤكد أن هذا الطلب فى مصر (على الاخص) منخفض بصورة لا تكفى لتشغيل كل الموارد المعطلة، وهو ما يفسر تباطؤ نمو الاقتصاد المصرى حالياً.

فالطلب على أموال الاستثمار، منخفض لانخفاض الدخل القومي. بالإضافة إلى ذلك فإن الطلب على أموال الاستثمار منخفض، أيضاً لانخفاض الكفاية الحدية لرأس المال بالنسبة لسعر الفائدة. إلى جانب معوقات الاستثمار القانونية والسياسية والنقدية، المعرفة للجميع. ومع ذلك فربما يتبادر الى الذهن، لقلة الاستثمارات لدينا، أن الميل للاستثمار مرتفع فى مصر مثلاً. لذلك يجب أن نفرق بين ما هى «فرص الاستثمار المتاحة» والميل الحدى للاستثمار «اى الرغبة فى الاستثمار» (من جانب المستثمر المحلى والأجنبى) ولعل أغلب كتاب الاقتصاد فى مصر لم تشغلهم هذه التفرقة, مما أدى الى تخبط الرأى حول تحليل وعلاج مشكلة تدنى الاستثمار فى مصر مرحلياً.

وللتوضيح فلما كانت فرص الاستثمار متوافرة فى مصر، فإن عدم التفرقة بين توافر فرص الاستثمار والميل أو الرغبة الأكيدة فى الاستثمار (للأسباب سابقة الذكر) يخشى معاً أن تلقى ظلاً على ضعف حجم الاستثمار العام والخاص، المحلى والأجنبى، وهو الامر الظاهر فى أرقام الناتج المحلى الاجمالى ومعدلات النمو لهذا العام الحالي. ولكى نفهم فرص الاستثمار المتاحة والمتمثلة فى أنواع الاستثمارات الموجودة فى السوق والتى يمكن أن تقام الآن، وتتوقف هذه الفرص على مقدار الحاجات (العامة والخاصة)، وعلى حجم وأنواع الاستثمارات القائمة بالفعل، وعلى مقدار الموارد المتعطلة عن العمل ودرجة التكنولوجيا المتوافرة والمطلوبة لهذه الاستثمارات. ولعل أغلب الدراسات الاقتصادية التى قُدمت فى الأعوام الثلاثة السابقة (منذ قيام ثورة يونيو 2013) قد دلت على أن فرص الاستثمار عندنا لاتزال متوافرة ومتاحة، ولكن أكثر ما يعوقها اقتصادياً هو قلة ما تكون من رؤوس أموال (من عملة محلية وأجنبية) ولكثرة الموارد المعطلة، الى جانب الشيء الكثير المطلوب من تعديلات فى القوانين، وإجراءات انشاء الشركات، وتيسير تدبير وتحويل العملات الأجنبية.

ولضعف القوة الشرائية الحاضرة والمتوقعة, من جانب، وضعف عام فى السوق المحلية الانتاجية, من جانب آخر،  أسفر كل هذا عن انخفاض واضح الكفاية الحدية لرأس المال بالنسبة لسعر الفائدة المرتفع للغاية على الإقراض. هذا الى جانب المنافسة الطاحنة من جانب المنتجات الأجنبية للمنتجات الوطنية، ويهم فى هذا الاتجاه ضعف الثقة لدى المستهلك المصرى فى منتجات بلده للأسف. و الحق ان هذا الارتفاع الواضح فى مصر اسعار الفائدة يرجع الى عدم وجود سوق نقدية ومالية منتظمة ومتسعة، الى جانب ارتفاع ظاهرة الاكتناز (خاصة فى الريف وبين غير المتعلمين)، مع استمرار الخوف من ظاهرة الدولرة.

ومع هذا الوضع المعقد نسبياً يصبح من الواجب على الدولة ألا تترك الطلب وشأنه، كما يطالب البعض من أنصار مدرسة الاقتصاد الحر، أو اقتصاديات السوق المطلق العناية، بل على الدولة والإدارة الاقتصادية أن تعمل على رفع مستوى الطلب والعرض الى درجة الكفاية لتشغيل الموارد المعطلة ولدفع الاستثمار المحلى والأجنبى المباشر وغير المباشر- حتى تتحقق التنمية المستدامة. ويومها تنسحب الدولة تدريجياً من السوق لتقوم بوظائفها الأهم، وهى حماية الفقراء ومحدودى الدخل وحفظ الأمن العام (الداخلى والخارجي)، حتى لا نعود مرة أخرى إلى «دورة الفقر المعيبة» كما هو الحال دائما فى سياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصر على مر العصور.