أوهام حول قانون الخدمة المدنية

الذين رفضوا القانون لم يقرأوه .. وتجاهلوا أنه ينهى «الواسطة» والمحسوبية ويدعم توزيع القوى البشرية لخدمة التعليم والصحة وليس العكس
ابن الدولة يكتب: ..
عندما بدأ الحديث حول قانون الخدمة المدنية وطرحه لم يتوقف أحد ممن يتحدثون عنه اليوم، ليناقش ويفند أو حتى يقرأ القانون، قبل الموافقة أو الرفض، ويمكن القول إن هناك العديد من الأوهام أحاطت بالقانون منذ البداية. وليس أدل على هذا من أن كثيرين ممن رفضوا القانون فى البرلمان أو فى الخارج اعترفوا أنهم لم يقرأوا القانون ولا يعرفون عنه شيئا، وأنهم اتخذوا مواقفهم بناء على ما سمعوه أو تلقوه على مواقع التواصل. بعضها يرجع إلى ما تردد من شائعات، وبعضها مقصود بهدف تسييد وجهات نظر تزرع الخوف، والهدف هو حماية مصالح قطاعات واسعة تستفيد من الوضع الراهن، ولا تريد تحديثا أو تغييرا يضر بوضعها التى تتجاوز القدرات. وهذا كله فى مستويات عليا تتصور أن القانون ربما يكون كاشفا، أو يضيع ويقطع الطريق على عمليات الاتجار بالوظائف أو العيش من وراء الواسطة والمحسوبية، وهى أمور يعلمها كثيرون وتمثل جزءا من الانشغال العام. ويفترض الاعتراف بأن الواسطة والمحسوبية هى فى الواقع تضر أول ما تضر بالفئات الفقيرة ومن لا يملكون الواسطة، ولا يمكنهم دفع الثمن. ومن أجل هؤلاء تم وضع القانون الذى يفرض قواعد واضحة وشفافة للتعيينات، وينهى عصورا من الواسطة والمحسوبية وتعرف هؤلاء الذين اعتادوا أن يكسبوا.
وأهم ما يمكن التأكيد عليه فيما يتعلق بقانون الخدمة المدنية أنه لن يتعرض أى موظف لأى نوع من الضرر، وهى قضية محسومة ولا يفترض أن تكون محل مناقشة، أما النقطة الأخرى المهمة فهى أن أحدا من الموظفين لن يفقد أى ميزة حصل عليها خلال السنوات الماضية. وهى النقاط التى تسربت منها الشائعات، والحرب ضد القانون. وهى شائعات غير صحيحة.
ومن الأوهام حول القانون أو أخطرها هو الخلط بين عدد الموظفين الكلى فى الدولة، وإضافة وخصم أعداد، والقول بأن هناك أكثر من مليون معلم من بين الرقم الكلى، وهى أقوال أو أوهام لا علاقة لها بالمناقشة حول القانون. مع الأخذ فى الاعتبار أن التشريعات الجديدة تفتح الباب لتوزيع عادل للقوى البشرية بالشكل الذى يعطى ميزة أكبر للتعليم والعاملين فيه ويضاعف من أعداد المعلمين، تماشيا مع خطط التوسع فى المدارس، وهو أمر منتهى، وبالتالى فإن محاولة تخويف المعلمين بأن القانون يهدف لتقليصهم هو وهم وتوجه مغرض، لأن الهدف هو توفير خبرات وكفاءات أكثر للتعليم والصحة والخدمات المختلفة.
القانون بحسب آراء الخبراء يتضمن نقاطا إيجابية، فيما يتعلق بالتنمية البشرية، وليس نظام شؤون العاملين، ونظام التوظيف من خلال الإعلان الشفاف عن الوظائف الخالية من خلال الاختبارات، وهو أمر ينهى الواسطة والمحسوبية التى تؤرقنا من عقود وتبدو بلا حل والقانون يرفع الأجر الثابت إلى المتغير، على العكس مما هو سار الآن ويؤدى إلى خفض المعاشات، وجعل المناصب القيادية محدودة المدة، ونظام حديث لتقييم أداء العاملين تقييما عادلا بما يسمح للمجتهدين بالترقى. وكلها مطالب كانت مرفوعة من سنوات، وتم تجاهلها أو إهمالها، وبالتالى فالقانون يمثل إضافة لمصالح العاملين ومع هذا فإن من أبدى خوفه من التقييم هم من يشكون فى نوايا اللجان مسبقا، بالرغم من أن الأمر يتجاوز التقييمات الفردية إلى تقييمات من أكثر من طرف، الأمر الذى يمنع سوء استخدام السلطة.
ونحن هنا لا نطلب التوقيع على بياض أو الموافقة، فقط قراءة القانون والاستماع لآراء الخبراء قبل إعلان موقف من قانون يفيد التحديث، ويمثل نقلة كبرى فى إصلاح الإدارة، بل ويضاعف من مكاسب المواطن والخبرة والكفاءة ويوقف المحسوبية.