صديق مزعج .. حكيم

كتب – كمال رمزى
عرفته منذ مطلع الستينيات، تغير شكله ولم تتغير طباعه.. كان نحيلا جدا. جلد على العظم. أنفه الضخم أوضح ما فى وجهه الغائر الخدين والعينين. شعره شديد الغزارة.
مع الأيام، تفرقت بنا السبل، لم نعد نلتقى إلا كل عدة سنوات. لكن الأواصر بيننا ظلت على متانتها.. أحيانا، أسعى إليه، كى أستمع لوجهة نظره فى مسألة ما تؤرقنى، برغم أنه مشهور بيننا بموضوعيته الجافة. وغالبا، يقول ما لا يرضينى، ولا يطمئن غيرى.
فى المرات الأخيرة التى التقيته، لاحظت انطلاق كرشه فى كل الجوانب، وبينما بدت عيناه جاحظتين، أصبح أنفه صغيرا، ضائعا وسط شحوم الوجه.. شعر رأسه تساقط فيما عدا خصلة فى المقدمة، خشنة، متمردة، لا تستجيب لمحاولة إعادتها للخلف، أو تقسيمها إلى قسمين جانبيين، هى دائما، مثل آرائه، نافرة، متمردة، مزعجة، لا يمكن تجاهلها.
حيرنى هذا الصديق الذى يخفى تحت مظهره البسيط، بملابسه العشوائية، نفاذ بصيرة تؤكدها الأحداث.
أثناء عودتنا من تحكيم مسابقة تجريها رعاية الشباب، عقب مشاهدة عرض محافظة المنيا، فى أوائل أكتوبر من العام ١٩٨١، كنا، الناقد المرموق، أحمد رأفت بهجت، والعزيز على أبوشادى، ورحمة الله عليه، المخرج الإذاعى، الشريف خاطر، فى السيارة التى تقلنا للقاهرة.. تحدثنا عن الأجواء المضطربة التى تعم البلاد، وعن مصائر الذين أودعهم الرئيس فى المعتقلات، وبعد فترة صمت امتنع فيها هذا الصديق عن الكلام، قال: الكثير من الأمور ستتغير إذا حدث ما هو متوقع.
سألناه: ما هو المتوقع؟ باغتنا بإجابة من كلمتين: مقتل السادات.
سخرنا منه، رفضنا كلامه، لكن بعد أسبوعين، وقع حادث المنصة الشهير.
ميزة الصديق المزعج، الذى تتحقق رؤاه، أنه لا يفاخر أبدا بصحة توقعاته، وحين سألته لاحقا، عن كيفية الوصول إلى استنتاجه سالف الذكر، برغم أنه لا ينتمى لأى حزب أو جماعة.. أجاب: حين يفقد الرئيس قوى اليمين واليسار والوسط، ويصدق أنه يتمتع بسلطة مطلقة، فإنه بالتأكيد يجرى نحو حتفه.
بعد سنوات، فى عام حكم الإخوان، ذهبنا لزيارته إثر جلطة خفيفة أصابته، تعامل معها بشجاعة، وصلابة داخلية، عجلت بشفائه.. فى حجرته المليئة بالكتب، ظهر على شاشة التلفاز الصغير، القديم، ثلاث نساء منتقبات، بينهن طبيبة تجلس وراء مكتب. الكاميرا ثابتة، وبالتالى لا يمكن أن تعرف من التى تتكلم. بعد انتهاء البرنامج، ظهر صاحب القناة، بجلباب أبيض ولحية طويلة، وأخذ يهاجم الفنانين، وينعت الفنانات بأفظع الأوصاف.. قام أحدنا ليغير القناة.. صديقنا طلب منه إبقاءها.. قال إنه يودعهم.. انزعجنا، ظننا أنه يفكر فى الموت.. الواضح أنه أدرك ظنوننا، وبصوته الذى يشوبه الوهن، مشبع باليقين، قال: كل هؤلاء سيدخلون السجون.
معظمنا، اختلف معه، والبعض أكد أنهم تمكنوا من مفاصل الدولة، ولن يتركوها.. وبلا تردد، علق: لكنى أراهم، جميعا، خلف القضبان.
المشكلة مع صديقى، قبل وبعد شفائه بإذن الله، أنه يقرأ كتاباتنا، ويتحاشى إبداء رأيه فيها.. وإذا ضغط عليه أحدنا، مثلى، كى يعرف وجهة نظره، فإن الطالب سيسمع ما لا يرضيه أبدا، ابتداء من العنوان، إلى تركيب الجمل، إلى ترتيب الفقرات، إلى الفكرة المحورية.. وغالبا، يكون تقييمه الصارم صحيحا.. لذا، تحول عندى، إلى قارئ أو مراجع متخيل، يتراءى أمامى وهو يحذف جملة أو يضيف لفظا.. وغالبا، أمتثل لتوجيهاته.
بعض آراء صديقى تصدمنى، بل تفزعنى، وبرغم رفضى لها، أجد فيها قدرا غير قليل من الحكمة، وأحيانا، تثير حفيظة الآخرين، فتكاد المناقشة تتحول إلى مشاجرة.. أتذكر، أثناء الحديث عن تجديد الخطاب الدينى، أنه، بعد تأكيده على ضرورة الإيمان، وأهمية التدين، قال بلهجة لا تخلو من تأنيب: أليس بينكم رجل شجاع، يطالب بإيقاف الخطاب الدينى.
ثار الجميع ضده. حاول شرح وجهة نظره، لكن لم يستمع له أحد، بل قاطعه البعض تماما، وفى لقاء لاحق، فسر ما ذهب إليه بأن معظم من يزعم «التجديد»، يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة، علما بأن التدين، فى جوهره، علاقة بين الإنسان وربه، لا تحتاج لكل هذه المهاترات، والعداوات، والحروب.
منذ أسابيع، قررت زيارته، كى أستضىء برأيه فى قضية «صفر مريم»، الذى يؤرقنى.. ولكنى أمسكت عن التنفيذ، كى لا أسمع ما يزيد من كدرى.