دقت ساعة الصِفر

مقال لـ ليديا يؤانس
الصفر بمفرده لا شئ ولكن من الممكن أن يكون شيئاً عظيماً لو استخدم بطريقة صحيحة.
دقت ساعة الصفر..
لتبدأ ثورة علي مجتمع، انحدرت فيه الأخلاقيات، وماتت فيه الضمائر، واستبيحت فيه كل الجرائم طبقاً لمقولة الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي «الغاية تبرر الوسيلة».
شوفتوها.. سمعتوها.. جامدة قوي مُش كده!!!
شوفتوها.. حينما نفضت عن كاهلها لحظة الصدمة من هول خبر الصفر، حينما ركلت بقدميها الصغيرتين، صورة الانكسار والاستسلام للعلاج والمحاليل والصدمات النفسية.
شوفتوا.. بريق عيونها المُشِع بالذكاء، رأسها المرفوعة بثقة في استرداد حقها المسلوب منها، جسدها النحيل الرقيق الثابت أمام عاصفة الفساد الأخلاقي التي عصفت بمُقدرات مستقبلها وأحلامها التي سهرت الليالي من أجل أن تحصل علي صفرين علي يمين الرقم واحد!
قالوا لها كفاية عليكي صفر.. أنت فاشلة.. صفر كفاية عليكي.. أنت رسبتي في امتحانات الثانوية العامة التي كُنتي تستعدين لها ربما من سنوات سابقة، وبالرغم من بزوغ نجمك، وتفوقك في السنوات السابقة، فأنت لم تحصلي حتي علي نصف درجة تقديراً لأنك علي الأقل خرجتي من بيتك وذهبتي للجنة الامتحان، واتشدت أعصابك تارة من رهبة الامتحان، وتارة أخري بسبب النتيجة التي تتمنين الحصول عليها وهي صفرين علي يمين الواحد وليس صفراً وحيداً!
سمعتوها.. حينما ارتفع صوتها فوق أصوات المُحبين والمُتأثرين والباكين معها مأساتها، لأنها ليست مأساتها بل مأساة أمة، في غفلة من الزمن انحدرت، ارتفع صوتها ليس للبكاء بل للتحدي!
سمعتوها.. حينما ارتفع صوتها فوق الفساد والظلم والغش ومنظومة الاستهتار بحق الإنسان في مصر في أن يعيش محترماً ويأخذ حقة بمجهوده وليس بالتزوير والغش والخداع.
وقفت تتحدي الجميع بلغة الواثق في إمكانياته وقدراته وأمانته، بلُغة يمكن أكبر من سنها شوية، ولما لا! وهي الطالبة المتفوقة مدي حياتها والثانوية العامة كانت سنة الصفر التي ستحدد مستقبل حياتها.
سمعتوها.. لما قالت مش حفرط في حقي ومش حعيد السنة وإذا استدعي الأمر سيكون هناك جهات خارجية للتحقيق إنها جامدة ومتمكنة وواثقة في نفسها وقدراتها.
إنها مريم ملاك ذكري طالبة الثانوية العامة لعام 2015 من المنيا والتي اشتهرت إعلامياً باسم مريم صاحبة الصفر!
بدلاً من مبروك وتهاني وأفراح .. بكاء وعويل وحسرة وألم جسدي ونفسي.
بدلاً من أعلي الدرجات .. صفر مكعب لا ينفع قبله ولا بعده أرقام.
بدلاً من تجهيز نفسها للجامعة .. انشغلت بالبحث عن درجاتها في دهاليز وزارة التربية والتعليم والكنترول.
بدلاً من الاستعداد لمقابلة أساتذة الجامعة .. بدأت تصطدم وتتصدم من معالي وزير التربية والتعليم الذي روعها بتهديداته، لأنها طالبة فاشلة، حاصلة علي صفر مربع أو مكعب مع مرتبة الشرف، والآن تقوم بإشعال الرأي العام والإعلام، بالإضافة إلي تضييع وقت معالي الوزير الدكتور محب الرافعي الحاصل علي أعلي الشهادات والدرجات العلمية العالية!
بدأت تلف كعب داير في المؤسسات القانونية والنيابية والتشريحية والشرعية والبصمات والاستكتابات لكي يصطادوا هذه المسكينة كفأر في مصيدة!
لقد احمرت عيونهم، وطار صوابهم، وبدأوا ينفثون غضبهم كالغليون المُشتعل، من هذه الفتاة التي لا تهدأ ولا تخاف ولا يهمها الوزير أو الغفير!
أما هيّ المُهم عندها حقها وتعبها وسهرها الليالي، لا يأخذه آخر فاشل معدوم الضمير والأخلاق مهما إن كان المستوي المادي أو الاجتماعي لهولاء اللصوص.
احتارت مريم، واحتارنا معها ومن أجلها، ومن أجل حرصنا علي أمن وأمان ومستقبل كل مواطن علي أرض مصر، كُنا نعتقد أنها مريم فقط، ولكن اتضح أن هناك أيضاً طلبة وطالبات مشكوك في نتائجهم، قلوبنا مع كل الطلبة في مصر، حيث إن منظومة التعليم في مصر أثبتت فشلها الذريع، أثرت علي نفوس شباب المستقبل بانعدام الثقة في المؤسسة التعليمية، وبالتالي الشك في درجاتهم التي حصلوا عليها في شهادة الثانوية العامة.
جميل جداً أن نتعاطف مع مريم، عظيم جداً أن تنهال العروض بالحلول للمشكلة سواء من الأفراد أو المؤسسات، ولكن ليس رائعاً أن تترك مريم البلد وتكمل مستقبلها في بلد آخر، مريم بنفسها تريد أولاً حقها وحل مشكلتها داخل بلدها، ثم تقرر بعد ذلك ما إذا كانت ستستمر هنا أو هناك.
ربما كانت هذه الحلول جيدة لو لم تتضخم المشكلة هكذا أمنياً وإعلامياً، ليس الخروج وترك مصر هو حل للمشكلة، ولكن حل المشكلة يستلزم أولا قطع رأس الفساد لكي تتعافي مصر وتستطيع مواكبة المسئوليات الملقاة علي عاتقها.
«صفر» مريم هو ساعة الصفر لكي تستيقظ أمة بأكملها للإصلاح والتغيير، لكي تكون هناك ثورة علي الفساد الأخلاقي، أنه ليس التعليم فقط، ولكن كل ما هو مُتعلق بالإنسان وحياته وعلاقته مع الآخرين.
سيادة الرئيس السيسي، هذا الصفر الذي زلزل الأمن القومي لبلدنا الحبيبة، وشغل الرأي العام الداخلي وللمصريين بالخارج، ما هو إلا ساعة الصفر للقضاء علي الفساد والاهتراء الأخلاقي لكي تستطيع المضي قدماً في خططك ومشاريعك من أجل النهوض بمصر.
سيادة الرئيس حملتُم علي عاتقكم تركة مُثقلة بما لا يدعو للافتخار إلا بمصر، كُلنا مُنتظرين عودة سيادتكم إلي أرض الوطن بسلام، والكثيرين مُنتظرين علي أحر من الجمر أن يرو حل موضوع مريم صاحبة الصفر!
سيدي الرئيس كل الشعب المصري مريم، والكُل يريد حلا جذريا لهذا الفساد وإلا سيكون هناك كل يوم ذبيحة جديدة مثل مريم!
سيدي الرئيس إنها ساعة الصفر، لإعلان الثورة علي الفساد بكل صوره وأشكاله، والرب يعينك ويرشدك ويسندك.