بسمة الخطيب ومذاق السرد النسوى الحميم

الكاتب – صلاح فضل
«برتقال مر» -هو النارنج- عنوان رواية فذة ومثيرة ومفعمة بالمفارقات منذ مطلعها للكاتبة اللبنانية الشابة بسمة الخطيب، تكشف فيها عن المذاق الأصلى للسرد النسوى، عن صناعة تقطير العطور البدائية، خاصة المازهر الذى يدخل فى صميم الطبخ باعتباره فعل حب فى المقام الأول، عن حيوات النسوة الريفيات وأحلامهن وخيبات أملهن فى صنف الرجال، عن آلاف الساعات التى تقضيها المرأة فى إعداد الأطباق المميزة وإضافة لمسات الشغف ورشات التوابل عليها، باختصار مما لا يستطيع الرجل أن يكتبه من تجارب الحياة اليومية ووقع الخواطر والذكريات على وجدانه، تستهل الرواية بلحظة ذروة غليظة تنتزع من أعماق ذاكرة الراوية الوحيدة التى تجول بخواطرها فى الزمان والمكان دون أن تبرح وقفتها أمام أوانى الطبخ فى شقة بيروت، انتظاراً لموعد دبرته على نار هادئة.
تجتر ذكرياتها فى الطفولة مع حركة يديها الرتيبة فى تقليب «المغلى» لساعات طويلة حتى لا يلتصق أو يتخثر، فلا نستطيع أن ننسب هذه اللحظات إلى الحاضر أو نرجعها إلى الماضى فى جدول الزمن السردى المتدفق عند قياس أبعاده وضبط نسبه، تقول «الظلمة ليست قاتمة، ستارة رمادية، يمكننى رؤية خيالاتهن، النسوة اللواتى رحن يجمعن عظامى من بين شقوق الأرض بأصابع سمينة ومقشبة، تلك التى يجمعن بها حبات الزيتون من بين الشوك والحصى، كان يمكن أن تنتهى الحكاية باكراً، وأموت خفيفة وبريئة، لولا أن الأرض لم تكن قد جفت فيها أمطار اليوم السابق، لو أن التى اتجهت نحوى كانت عيشة – كما ظننت – ولم تكن جدتى خارجة لتنتزعنى من الموت وتمسح عنى الوحل بتنورتها، سامحة للهواء بالوصول إلى أنفى، لو أن جارتنا لم تقصد طالب الطب الوحيد فى الحى ليسعفنى ويرتق مزق رقبتى، لو أن رائحة بنج أصابعه وبقايا عطر رجولى لم تستقر بين قطب الجرح.. وتبقى إلى اليوم!!.. حادثة سقوط من الشرفة، وصرخة من الجدة وإنقاذ من الموت على يد طالب الطب الذى سيصبح رجل أحلام الفتاة، وعنقود متواصل من المفارقات اللافتة فى هذا المطلع الدرامى، فالفتاة الراوية تدرك قبحها وتغص به وتتعايش معه وهى ترى خالتها الحسناء تخطب للطبيب الشاب ثم يهجرها ويسافر، وهى تبوح بكراهية الأم – عيشة – لها لأنها كانت تنتظر بدلاً منها ولداً وريثاً يرضى زوجها، فلم تغفر لها خيبة الأمل فيها، تتعلق بجدتها التى تسارع بإنقاذها وتسقيها مهاراتها الأنثوية مع حكاياتها الأسطورية التى تنام عليها كل ليلة، فالبرتقال المر يوجز بتناقضه وروحه المجسدة فى المازهر طبيعة هذه الرؤية الأنثوية التى تستخرج الجمال من القبح، والعطر من التاريخ، وتستعيض بحب الجدة عن الأم، ثم تتعلق بأهداب حب شبه مستحيل لمن وهبها نبض الحياة وترك فى ندبة رقبتها آثار عطر رجولى لازال يشدها إليه حتى اللحظة الراهنة، وسيصبح علامته فى التعرف الخاطف عليها.
أما التقنية السردية التى تستخدمها الراوية فهى القبض على اللحظات والمشاهد الهاربة ونزعها من سديم العدم وتكثيفها على أبخرة الطبخ حتى تتقاطر فى الرواية، هكذا تفعل وهى تستحضر زرقة قميص الخطيب المنعكسة فى عينى خالتها الحسناء، وهو يضع الخاتم فى إصبعها، زرقة تتجدد فى منظورها كلما رنت لموجات البحر فيما بعد، ومثل مشهد الصبى الشقى الذى عايرها يوماً بأنها ليس لها أب حى أو أخ، فكشف ثوبه بوقاحة ليريها عورته التى لم تر مثلها من قبل – وكأنه صبى من أولاد الشوارع فى مصر لا فى قرية لبنانية – فلا ينقذها منه سوى رجل عابر يرميه بالحصى ويوصى أمها ألا تتركها وحدها فى الشارع، أما المشهد الثالث فهو الذى تمارس فيه خبرتها البارعة كامرأة مدربة «تغرس المنقرة فى حبة الكوسة فتنتزع أحشاءها بدورة واحدة، قرص الكبة يستوى بين أصابعى فى أقل من دقيقة، تخرج الأقراص متساوية كأنها صبت فى قالب، تقصدنى الجارات لأفرم لهن خضر التبولة، يجب أن تكون ناعمة جداً وفى أسرع وقت، وهذا ما تفعله سكينى»، وأشد حميمية من ذلك، كانت فى العاشرة من عمرها عندما ذاع خبر براعتها فى صنع الحلاوة، وصارت نساء الحى يقصدنها لتصنعها لهن، يفردنها فوق أرجلهن وأذرعهن بإعجاب وسعادة، يقلن إنها تماماً كما يجب أن تكون، شقراء تلمع، طرية دون أن تلتصق بالجلد أو تذوب بسرعة، لكن الراوية التى تكشف بهذه المهارات سر الشعور بالدمامة عندما يحمل النساء والرجال على التعريض فيشحذ طاقاتهن على الإبداع والتفوق، لا تتمادى فى تعقب هذه الحالات بحس أخلاقى متوازن.
يجسد طبيعة الفتاة القروية التى تركز فى انخطافاتها التصويرية على الأشياء الحميمة اللائقة، منها إحساس المرأة المرهف بالعطر «أبلل قطنة الزهر وأمسح وجهى ثم أضعها فوق عروق معصمى، طالما فعلت هذا مع المازهر والماورد لتهدئة روعى، لا أعرف ممن تعلمت ذلك، لأن رش العطر على العروق يجعلها تتفاعل مع الجسم وتدوم أكثر، المازهر يسكن الروح لأنه يردها، ليس بفعل السحر بل لأنه روح بنفسه، روح زهور البرتقال المر، لكنها للمفارقة روح حلوة وقوية إلى درجة إنعاش الغائبين عن الوعى وإعادتهم للحياة». تشرح الراوية باستفاضة كيف كانت تخرج مع جدتها لالتقاط أزهار النارنج وكيف كن يستخرجن منها المازهر الذى تبيعه جدتها فى قرى صيدا بلبنان، فتقدم وثيقة غالية لحيوات هؤلاء النسوة ممن خالطن الطبيعة وعرفن أسرارها وعشن حياة شظف وقوة إرادة بإزاء حيوات المرفهات فى المدن، وكيف كان جمالهن الطبيعى وقوة مشاعرهن الإنسانية هو مخزون طاقة الرجال والدافع الأساسى لطموحهم لاجتراح مغامرات الحياة.
الطبخ فعل حب:
لم أقرأ فى الروايات العربية وصفاً دقيقاً وشيقاً وموزعاً بمهارة على اللحظات لطريقة إعداد أنواع الطبخ وأسراره، ومزجه الحلو بعواطف المرأة تجاه من تطبخ له من الأحبة مثل ما وجدته فى هذه الرواية الممتعة، بالرغم من ضيق حيزها الوجودى، وخلوها من الأحداث الحركية باستثناء الصفحات الأخيرة، فكلها أفعال كلام وشطحات ذاكرة وخواطر محمومة أو مكتومة تنثال بها ريشة صناع ويد ماهرة، إذ تقول مثلاً: «أجلس على المجلى لأحرك خلطة الأرز الناعم والسكر بالقرفة والكراوية والتى تستغرق أربع ساعات كاملة، ليتحول هذا المزيج إلى شىء نادر فى جنة المذاقات هو المغلى.. سلنى لماذا اخترعت هذه النسوة تلك الطبخات الطويلة لأجيبك: كان فعل حب موارباً، يتركن حلاوة المذاق والإسراف فى المكسرات الثمينة يوصلان رسائل قلوبهن، لأنهن تربين على إخفاء مشاعرهن وإنكار غرائزهن، حتى إن القراءة حرمت عليهن أزماناً كى لا يكتبن رسائل الغرام لعشاقهن المتوقعين ثم لا تلبث أن تترك هذا التجريد العام لتخص الحياة اللبنانية ومطبخها الشهير فى أنحاء العالم كله بالاهتمام والتوثيق العاطفى والتاريخى قائلة بتلقائية: «عاش الفلسطينيون» معنا دهراً، لكن ملوخيتهم لم تدخل بيوتنا، بل بقينا نسميها بتعفف «سايطة» ولم نستعذب «المسخن» بحجة أنه يهدر مؤنتنا من «السماق»، ساكناهم وصاهرناهم، لكن الطبخ شىء آخر.. كانت مارى حين تزور جدتى ترينا صور عائلتها وابنتها كارين وصهرها الأسترالى، وهى بمعظمها أخذت حول موائد وأطباق لبنانية، تعلن مارى أن صهرها يعشق الأكل اللبنانى الذى تعده ويتحول إلى طفل شره وهو يلوث أصابعه بزيت ورق العنب»، وأحسب أن المطبخ يقوم بدور تحديد الهوية اللبنانية – وحتى العربية – فى المهاجر الأوروبية والأمريكية، مما يجعل ارتباطه بالحب نتيجة حتمية لتشابكاته، وتلاحظ الراوية أن الأفلام الأمريكية تجعل طقس إعداد الطعام لصيقاً بطقس الحب، على عكس السينما العربية منذ أنور وجدى وعمر الشريف حتى حسين فهمى ومحمود ياسين، فالعاشق العربى فى تقديرها ينسى معدته، بل يريد استدراج حبيبته لا ليطهو لها بل ليلتهمها، ثم تعترف الراوية بسذاجة محببة «بقيت سنوات طويلة أعتقد أن المرأة تحبل من الرجل حين يقبل رقبتها، هكذا بدا الأمر لى فى الأفلام العربية التى كانت نافذتنا الوحيدة على قصص الحب والجنس، آخر ما كنا نراه قبل أن يعلن خبر الحمل هو قبل مجنونة يمطرها الرجل على رقبة المرأة»، وكلما أمعنا فى قراءة السرديات العربية عثرنا على التأثير الحاسم للسينما المصرية فى تحديث المجتمع العربى وتنمية حياته العاطفية ونقله من مرحلة البداوة والريفية إلى النموذج الحضرى، وكذلك فعل الغناء المصرى منذ عبدالوهاب وأم كلثوم، لكن التأثير المدهش الذى تبرزه هذه الرواية لعبدالحليم حافظ قد أثار انتباهى حيث تقول «وبذكر عبدالناصر الذى كانت أمها تشتهى أن تنجب ولداً كى تسميه جمال، يحضر رجل آخر يسكن كل بيت من بيوت الحى وربما القرية هو عبدالحليم الذى احتل قلوب الأجيال المتعاقبة، كل جيل دخل المراهقة متأبطاً ذراع عبدالحليم وأغانيه، كان من الصعب تقبل دخول منافسين له على الخط، والد سلام – صديقة الراوية – حطم كاسيتات مدحت صالح لأن أحداً برأيه لا يستحق أن تشترى ابنته تسجيلاته سوى عبدالحليم، لكن الجيل الأبوى انهزم مع اجتياح عمرو دياب وأمثاله لحياة أولادهم، كان الآباء قد هربوا بدورهم فانسحبوا من المعركة لصالح «لولاكى» و«ميال ميال» وإذا كان فعل الطبخ الذى ساد به اللبنانيون قد أسلمنا إلى الحب الذى روجت له السينما والأغانى المصرية فإنهما لايزالان حتى اليوم يشكلان العصب الحى للهوية والثقافة العربية الجامعة للأقطار والأذواق والأجيال.
ضمير المخاطب:
تحدد صيغة الخطاب التى كتبت بها الرواية منظورها ورؤيتها واستراتيجيتها التواصلية، فهى موجهة من أنثى عاشقة لرجل تنتظره وهى تطبخ له أطباق الطعام التى تصب فيها عصارة خبرتها ومشاعرها، تبوح بمواجعها ورؤيتها لماضيها وحاضرها ووعيها بالحياة والكون من حولها، وعندما تستحضر مثلاً أغنية لأم كلثوم فإنها تندغم فى موقفها وهى تشدو لحبيبها قائلة: «هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر، هذه الدنيا ليال أنت فيها العمر.. هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر»، وعندما تبوح له بأسرار مهاراتها تدير معه حواراً افتراضياً توضح فيه أنها تطهو بكل حواسها وخيالها لا بالعقل والموازين، ثم ترتقى بفن الطبخ إلى مرتبة الفنون الجميلة الرفيعة، فهو مثل الأمومة والصداقة والموسيقى، لكن بقدر ما كانت افتتاحية الرواية لاهبة ضارية فى الاقتراب من الموت فإن الساعات الأخيرة من تجربتها قبيل الموعد المرتقب تلهث بشدة، فيظهر صوت المحبوب لأول مرة فى مكالمة هاتفية يطلب فيها تقديم الموعد ساعة، ترتبك المرأة لأنها أجلت جلوسها أمام مصفف الشعر ليكون فى اللحظات الأخيرة، وهى عندما تخضع للساحر الذى يعالج شعرها الغزير الكثيف ليجعل منها حورية وتعود بالتاكسى للمنزل الذى استأجرته حديثاً تفقد موقعه، هنا يتغير أسلوب السرد ليتحول من التذكار الهادئ والتداعى المتزامن إلى سباق مع الحدث المنتظر فى لحظة ضياع عاصف، دون أن يفقد خبطة الموصول بخطاب الحبيب المرتقب.
قريباً من شارعها ترى «الرأس المخطط بالشيب يتلفت حوله كأنه يبحث عن عنوان ما، تبعته حتى قادنى إلى العمارة الضالة، سبقته وطلبت المصعد، صعدنا وأغلق الباب، تجمد قلبى كثمرة فى قطعة جليد، أنفاسه كلها فى رئتى، حرارة نبضه، رائحة دخان غريب لا تشبه أى دخان شممته، لا أثر لعطره الأول». بالطبع هو لا يعرفها فلم يرها منذ كانت صبية عالجها من سقوطها المبكر، وهى لم تره منذ زمن بعيد وإن ظلت أحلامها متعلقة به، تعود تقنية المشاهد الخاطفة السريعة والإيماءات المركزة تتقاطر، حيث لا تنطلى عليه حيلتها ويتذوق فى مائدتها طعوم قريته ونكهة شبابه، وعندما تجرى على لسانها كلمة «أمسانى» بمعنى أمسى الأمل تبرق ذاكرته، وهى تناديه الحكيم مع أنه لم يكمل دراسة الطب واتجه للسينما وإخراج الأفلام الوثائقية، وتكون ندبة الرقبة التى يلمح أثرها هى التى تجعله يعود بعد أن يبرح شقتها فيجدها قد خرجت فى إثره تغتسل بماء المطر، ينفجر من فمه اسمها منادياً مختلطاً بالسماء المبللة.. «مى» فتوضع كلمة الختام فى رواية تجمع مفارقات السرد النشط فى حيوية فائقة، حيث تتجلى فيها مذاقات السرد الأنثوى المطهو بصبر وأناة فتنفذ من الذاكرة إلى عطر الحياة الواقعية فى القرية والمدينة على السواء، وتكشف عن شعرية الحياة وتناقضاتها وأحلامها داخل فتاة حسبت نفسها قبيحة فإذا بها تشحذ طاقاتها الإبداعية متجاوزة أميتها وقرويتها لتقنص ما لم تستطع أن تحتفظ به من تتفوق عليها فى الجمال والمكانة الاجتماعية بقوة الإرادة وعرامة الحب وإرادة الحياة.