«الاقتباس» هل هو سُبّة درامية ؟

مصطفى جمال الدين
كاتب سورى
نحن شعب أثبت أنه يخاف من كل شيء، إن حضرت المسلسلات المكسيكية، نخاف على الدراما العربية، وإن حضرت المسلسلات التركية، نخاف أيضاً، وكذلك عندما بدأت تتراكم المسلسلات الهندية والكورية والإيرانية، المدبلجة للعربية. وتكرّ سبّحة الخوف على إنجازاتنا في الدراما. ويلاحظ أن مسلسل الخوف هذا حلقاته قديمة، فكنا سابقاً نخاف من سطوة الأغاني الأجنبية على الأغنية العربية، التي كانت تبثها المحطات الإذاعية، والتلفزيونية الأرضية قبل عهد الفضائيات، ومما تقدّمه فرق غنائية تأسست لتقدّم «الفرانكو آراب»، لكن تلك الفرق لم تعمّر طويلاً، وظلت الأغنية العربية حاضرة وشامخة وتلونت بكل قوالبها وألوانها في معظم الأقطار العربية. ولم يغب حتى يومنا هذا، الاقتباس في المجال الموسيقي، فالشواهد كثيرة وقام بها كبار الملحنين، ولم يترك ذلك آثاراً سلبية على فن الموسيقا بشقه الغنائي، على الأقل. فـ «الاقتباس» الذي بدأ يفرض حضوره في السنوات الأخيرة، في ما ينتج من دراما عربية، في أي قطر عربي أنتجت هذه الدراما، ندّعي أن لا ضرورة لهذا الخوف من حضوره. فمسألة الاقتباس قبل أن تحضر في الدراما التلفزيونية كانت ولا تزال حاضرة في الدراما السينمائية، فعشرات الأفلام المصرية اقتبست من أفلام شهيرة، بعضها حقق رواجاً ومتابعة جماهيرية له، وبعضها الآخر أخفق في تحقيق ذلك. والحديث عن الاقتباس يفرض تناول المسألة تاريخياً، فالاقتباس كان ولا يزال حاضراً في الدراما المسرحية، دون أن يؤثر هذا في مسيرة النص المسرحي، رغم دعوات الكثير من المسرحيين لتأصيل هذا الفن، بل إن كاتباً ومخرجاً وباحثاً وناقداً مثل المسرحي السوري فرحان بلبل الذي له عشرات النصوص المسرحية، وقدّم من خلال فرقته «فرقة المسرح العمالي في حمص» عروضاً عدة مقتبسة من أعمال مترجمة للعربية، يرى في مقالة له في كتابه «أوراق غير متناثرة» الصادر حديثاً، تعود المقالة لعام 2008، يرى الاقتباس: (أصل هام في التأليف المسرحي، لأنه قاعدة استند إليها عدد كبير من كبار الكتّاب في العالم سواء كان المصدر الذي يقتبس منه الكاتب مسرحية أو قصة أو أسطورة. ويشير بلبل إلى أن مسرحيات شكسبير وأكثر مسرحيات بريخت وموليير وراسين وكورني تندرج تحت هذا الاسم. وكثير من المسرحيات العربية التي شمخت بقوتها الدرامية استندت إلى الاقتباس). وبحكم متابعة المسرحي فرحان بلبل ومشاركته في مهرجانات مسرحية عربية كثيرة يرى (أن الاقتباس صار في المرحلة الأخيرة من حركة المسرح العربي أساساً في أكثر العروض المسرحية). ومن الأمثال الساطعة التي يوردها بلبل على حالة الاقتباس مسرحية «المفتش العام» لغوغول. يقول عنها (لقد تناهبتها الفرق المسرحية العربية بالاقتباس والتعديل والتحوير. فكانت في كل اقتباس جيد تتحول إلى نص مُغرق في محليته التي تثير ردود الأفعال لدى المتفرجين ما يجعل هذا النص المدهش خاصاً بالبيئة العربية كأنه كُتب لها). لكن بلبل الذي لا يجد غضاضة في الاقتباس، يشترط أن يستند إلى أصول علمية حتى يقدّم مادة درامية صحيحة حتى لا يتحول إلى تشويه للنصوص الأصلية، وبالتالي تتناسب النصوص مع الهم العربي أو البيئة المحلية. ويمكننا الادّعاء أن ما اشترطه بلبل على الاقتباس في المسرح ينطبق على الاقتباس في الدراما التلفزيونية، وهذا في الأعم الأغلب ما يتم الالتزام به من قبل كتّاب الدراما التلفزيونية في ما يقتبسونه من أعمال.
اقتباسات مغفلة
والاقتباس الذي هو ليس مؤشراً على نضوب مخيلة كتابنا أنواع، قد يكون عن أعمال أجنبية، وأخرى عربية، فلماذا نرفع مئذنة خوفنا إذا كان الاقتباس عن فيلم أجنبي، كما حدث مع مسلسل «تشيللو» للكاتب نجيب نصير، المقتبس عن فيلم «عرض غير لائق»، على سبيل الحصر لا القصر، ولا يرف لنا جفن إن كان الاقتباس عن عمل عربي؟ هل لأن النوع الثاني يكون صاحبه أكثر قدرة على إخفاء اقتباسه فلا يثير الخوف، ولأن العمل العربي لا يكون بشهرة العمل الأجنبي فلا ينكشف الاقتباس. أم أن الاقتباس عن عمل غير معروف، حلال، وعن عمل مشهور حرام ويثير الرعب فينا خوفاً على عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا؟!
وننبه إلى أن حالات الاقتباس، منها ما يكون كاملاً، ومنها ما يقتبس جزئياً، شخصية أو حدثا. وتكمن المشكلة طبعاً في الحالات التي لا تتم الإشارة، حتى للاقتباس الكلي، فكيف بالجزئي. وسنورد بعض الأمثلة لم تتم الإشارة فيها للاقتباس، وبعض منها لم يكتب عنها في حد زعمنا أحد قبلنا.
لكن في البدء إن أردنا استعراض حالات الاقتباس لا يمكننا أن نغفل عن الفنان ياسر العظمة الذي كان يوقّع لوحات مسلسله «مرايا» منذ العام 1984بـ(مما شاهدت وسمعت وقرأت)، لكن عندما بدأ الكتّاب السوريون يحتجّون إعلامياً ويطالبون بحقوقهم المعنوية قبل المادية، بدأ يشير إلى أصحاب القصص التي ينسج لوحات «مرايا» بناءً على حدثها الدرامي ومقولتها وشخوصها، وظلت الاقتباسات عن أعمال غير عربية مغفلة. وكذلك في بقعة ضوء ثمة حالات عدة من الاقتباس، تمت الإشارة إلى بعضها، وبعضها الآخر امتنع كتابها عن الإشارة إلى مصدر اقتباسهم لغاية في نفس يعقوب، المتجسدة بحصد الكاتب مكافأة أجزى.
ومن الشواهد على الاقتباسات المغفلة الإشارة إليها ما فعله الكاتب خالد خليفة في مسلسله «زمن الخوف» إخراج هيثم حقي بمشاركة إيناس حقي (2007) حين اقتبس شخصية كاملة من الفيلم الإيطالي «تذكّرني ـ remeber me» للمخرج «غابريلي موشينو» بطولة «فابريزيو بينتفوغليو»، ومشاركة «مونيكا بيلوتشي» (2004)، وضعها في مسلسله وجسّدها الفنان سليم صبري، طبعاً مع بعض التحوير من كاتب، إلى هاوٍ لفن الرسم.
وحذا حذوه الكاتب فؤاد حميرة في مسلسله «ممرات ضيقة» أخرجه الراحل محمد الشيخ نجيب (2007)، إذ اقتبس حميرة الشخصية التي جسدها الفنان علاء مرسي في فيلم «85 جنايات»، تأليف شريف المنياوي، إخراج علاء كريم (1993)، بطولة «رغدة وحسين فهمي»، وهي شخصية سائق لدى ضابط في السجن عشق إحدى السجينات وتزوجها بعد أن قضت محكوميتها (لم نتمكن من معرفة اسم من جسّد الشخصية)، حورها حميرة لعسكري ضمن كوادر سجن للنساء، جسّدها الفنان أندريه سكاف ولعبت الشخصية النسائية أمامه الفنانة رنا شميس.
إلاّ أن في مسيرة خالد خليفة في كتابة المسلسلات اقتباسا آخر يتجسّد في مسلسله «المفتاح» المقتبس عن الفيلم المصري «العرضحالجي في قضية نصب»، بطولة «سعيد صالح وسمير غانم»، تأليف نبيل غلام، إخراج حسن الصيفي (1987)، كتب خليفة مسلسله دون أية إشارة للاقتباس، أخرج المسلسل هشام شربتجي (2012)، بطولة «باسم ياخور وأحمد الأحمد». لكن والحق يقال إن مسلسل «المفتاح» منسوج درامياً بخيوط وبناء أعمق، سواء كان بشخصياته أو بأحداثه، مما هي عليه الحال في الفيلم.
وفي الآونة الأخيرة، أشار رافي وهبة إلى مصدر اقتباسه في العملَين الأخيرَين «سنعود بعد قليل» إخراج الليث حجو (2013)، و «العرّاب: نادي الشرق» إخراج حاتم علي (2015). لكنه تكتّم على مصدر بعض لوحات «بقعة ضوء»، ورباعية «تقاطع خطر» إخراج الليث حجو، التي استعادت عرضها مؤخراً «إم بي سي دراما» منتجة الرباعية، والتي اقتبسها عن مسرحية الكاتب اللبناني الفرانكوفوني جورج شحادة «مهاجر بريسبان»، اقتبس منها الخيوط الدرامية والشخصيات والحبكة وطبيعة ومحددات الصراع والفضاء المكاني للحدث ورسالة العمل الفني. وكنا قد كتبنا عنها في زمن عرضها الأول في صفحة (صوت وصورة في السفير في تاريخ 30/9/2010).
اقتباسات واقتباسات مضادة
ولم يبق الاقتباس وقفاً على الكتّاب السوريين عن الأعمال المصرية بل قام بها أيضاً من ينتمون للدراما الأقدم في مجال الكتابة للتلفزيون، بدورهم اقتبسوا عن الأعمال السورية، فالمسلسل الذي قامت ببطولته الفنانة هند صبري «عايزة اتجوّز» كتابة غادة عبد العال وإخراج رامي إمام، (2010) عمل مقتبس من المسلسل السوري «عرسان آخر زمن» كتبه وأنتجه الراحل داوود شيخاني، إخراج أيمن داوود شيخاني، قامت ببطولته «فرح بسيسو» (2002)، وأشرنا للاقتباس في مقالة لنا في صفحة (صوت وصورة في السفير في تاريخ 26/8/2010).
وربما ليس أخيراً، شهدنا، مسلسل «حارة اليهود»، تأليف مدحت العدل، إخراج محمد جمال العدل، الذي عرض في رمضان المنصرم، متناولاً في خيوطه الدرامية وجود اليهود في المجتمع المصري ومصائرهم. نزعم أن المسلسل لم يأتِ بجديد عما قدمه المسلسل السوري «طالع الفضة»، إخراج سيف الدين سبيعي وكتابة عنود الخالد وعباس النوري (2011). فمن تابعه لا يمكن أن ينسى شخصية الإسكافي اليهودي التي جسدها بتألق الفنان رفيق سبيعي، الذي ظل متمسكاً بالشام ورفض مغادرتها، بتحريض من ابنه وكنّته، مع بقية من هاجر لفلسطين المحتلة.
أخيراً، لا ندري لماذا يغفل الذين تثير مخاوفهم مسألة الاقتباس عن أن الأميركيين الذين يعيرون بهم الكتّاب العرب، إن اقتبسوا من أفلامهم، هم ذاتهم يقتبسون، خاصة في السينما، فكل فيلم أوروبي يعجبهم يقتبسونه ويعيدون إنتاجه وفق قدراتهم الإنتاجية والتكنولوجية المتطورة ويحققون للفيلم حضوراً لافتاً ويحصدون ريعاً خرافياً من شباك تذاكره. فهل هذا دليل على عجز إبداعي ونضوب مخيلة لديهم، أو أن ذلك قد أثّر في مستوى أعمالهم، وأن مجتمعاتهم قد تصاب بشروخات أفقية وعمودية، من جرّاء متابعة الشعب الأميركي لتلك الأفلام؟!!