الفتوى وحركة المجتمع

مقال لـ شوقى علام
لما عرف الأصوليون الحكم الشرعى عرفوه بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وبصرف النظر عن هذه المفردات التخصصية الواردة فى التعريف، إلا أن التعريف يعنى شمول الخطاب الشرعى لكل ما يصدر عن المكلف، ومن هنا يمكن القول بأن الفتوى تدخل فى كل حركة الحياة للمكلف، بل وفى حركة حياة المجتمع كله، وهذا ما تدل عليه فتاوى دار الإفتاء المصرية، بل وكل كتب الفتاوى التى ترصد ما يصدر عن الفقيه جوابا عن الأسئلة التى ترد إليه ويجيب عنها، فكلها ناطقة بتساؤلات من الناس، وهى وإن كانت كذلك إلا أنه يمكن من خلالها قراءة دلالات عن حياة الناس وحركة المجتمع فى اتجاهاته وتوجهاته المختلفة.
فمثلا يمكن من خلال مطالعة الفتاوى التى صدرت عن فَقِيه عاش فى القرن الثالث عشر الهجرى وآخر عاش فى القرن الخامس عشر رصد العديد من اهتمامات الناس وتوجهات المجتمع من ناحية المجالات التى يسأل فيها الناس، وصيغة السؤال الوارد من السائل، وطريقة الجواب عنه، وهل كان بالفصحى أو العامية، وغير ذلك من الأحوال التى يمكن بيان الفروق فيها بين قرنين من الزمان وحياة الناس فيهما.
والذى ينبغى الوقوف عليه من خلال هذا النظر والنتائج المترتبة عليه فى قراءة حركة المجتمع أن الفتوى تبين لك هذه الحركة وتدلك عليها، وتقول لك أين يسير المجتمع.
وفى الفترة الماضية برزت جماعات داخل مجتمعات آمنة مطمئنة لم ترتض حياة هذا المجتمع على النحو الذى هو عليه فاتخذت منهجا موازيا رأت أنه الصواب من وجهة نظرها، وبصرف النظر عن تحليل هذه الظاهرة التى أثرت سلبا على كثير من المجتمعات، بل وأحدثت بلبلة فكرية رصدتها العديد من الدراسات فى هذا الشأن، بصرف النظر عن ذلك كله إلا أن الفتوى كانت هى الأساس والمؤثر فى توجيه حركة هذه الجماعات، بل كان هدف هذه الجماعات الذى تريد الوصول إليه هو المحرك لاتجاه الفتوى حتى فيما يتعارض مع دلالات النصوص الصريحة، ويمكن التدليل على ذلك بما صدر فى شهر رمضان الماضى من حكم تناول الإفطار مع من أيد رئيس الدولة فى مصر وكان الجواب بالحرمة، وهذا الحكم ينتهى فى مآلاته إلى قطع أواصر الرحم بين الناس وتفكيك الأسر والعائلات بما يحدث خلخلة شديدة فى المجتمع، وكان الدافع إلى هذه الفتوى هو خلاف سياسى محض لا يمكن معه إصدار فتوى تؤدى بِنَا إلى هذا المآل.
ولا ريب أن هذا خلل فى المنهج، إذ إن مثال هذه الفتاوى لم تراع فضلا عن المآل، وهو أمر جوهرى فى ضبط الفتوى، لم تراع تعارضها الواضح مع صراحة دلالة النصوص فى الكتاب والسنة من نحو قوله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا» فهل يبقى الإحسان المأمور به شرعا على الوجوب مع حرمة تناول الإفطار فى شهر رمضان مع أحد الوالدين المخالف للولد فى الرأى السياسى، هذا خلل بلا ريب فى التفكير المنطقى، فضلا عن منهجية الفتوى نفسها.
لا يمكن الوقوف فى هذا المقال على أمثلة عديدة من الفتاوى الشاذة، فضلا عن الفتاوى التى تكفر الناس وتستباح بها دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.
ومن أجل هذا وغيره قامت دار الإفتاء بواجب الوقت نحو تفكيك هذه الفتاوى المتشددة والتكفيرية التى اختل معها ضابط الفتوى وأثرت سلبا على واقع المجتمعات وأدت إلى ما نحن فيه من الهرج والقتل، فأنشأت مرصدا لرصد الفتاوى المتشددة والتكفيرية وأصدرت ستة وعشرين تقريرا إلى وقتنا هذا، تبين عوار هذه الفتاوى وعوار المواقف التى اتخذتها هذه الجماعات.
وفى هذا السياق يأتى مؤتمر دار الإفتاء المصرية العالمى: (الفتوى…. إشكاليات الواقع وآفاق المستقبل) حاملا فى طياته صورة من صور العمل المعتمد على رؤية واضحة، ذات أهداف محددة، وتخطيط استراتيجى شامل يقوم على التعمق فى دراسة وتوصيف المشكلات والحلول الخاصة بعملية الإفتاء الشرعى، قصدًا إلى ضبط هذه الصناعة المهمة من خلال قواعد حاكمة وضوابط أصيلة، لئلا يشوبها التطرف أو الفوضى والتخبط.
وكان الغرض من هذا المؤتمر بحث ومناقشة موضوعات ذات أهمية كبرى تخص الإفتاء كصناعة والفتوى كمنتَج يحتاجه الناس فى حياتهم، ومن تلك الموضوعات المهمة: أثر الفتوى فى تحقيق التنمية واستقرار المجتمعات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ومواجهة الفتوى للتطرف والتكفير والتعصب، وتحديد معالم الوسطية والتجديد فى علوم الفتوى، كما تطرق المؤتمر إلى إبراز العلاقة بين الفتوى وبين مقصد العمران، فضلا عن الفتوى وعلاقتها بضوابط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقد نتج عن تلك المحاور مع بعض الحلقات النقاشية عددٌ من توصيات ومبادرات علمية عملية، كان من أهمها المبادرة إلى إنشاء أمانة عامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، ومقرها القاهرة، وأساس عملها أن تقوم بالتنسيق بين الجهات العاملة فى مجال الإفتاء فى جميع أنحاء العالم، بهدف رفع كفاءة الأداء الإفتائى لهذه الجهات وزيادة فاعليتها فى مجتمعاتها بحيث يصبح الإفتاء من أهم عوامل التنمية والاستقرار فى المجتمعات الإسلامية، مع تبادل الخبرات فيما بينها.
وفى ذلك بناء لتكتل إفتائى عالمى وسطى علمى منهجى، يعمل على حصار ظاهرة تصدى غير المؤهلين للإفتاء، تأسيسا للقضاء عليها من خلال ابتكار حلول غير تقليدية للتعامل معها، مع بناء استراتيجيات مشتركة بين دور الإفتاء الأعضاء لمواجهة التطرف فى الفتوى وصياغة المعالجات المهنية لمظاهر التشدد فى الإفتاء.
ودعا المؤتمر كذلك إلى إنشاء مركز بحثى يختص ببحث ودراسة المسائل المستحدثة متعددة الأبعاد، التى تحتاج صناعة الإفتاء فيها إلى معارف ومعلومات من مجالات علمية وبحثية متعددة، ولا يصحُّ أن يقتصر الفقيه أو الباحث عند الإفتاء فيها على العلوم الشرعية فقط.
هذه بعض مساهمات علمية عملية جادة نتجت عن مؤتمر دار الإفتاء، تحمل مشاعل الريادة فى العمل الشرعى للمؤسسة الدينية الإسلامية فى مصر، وهى فى مجملها تهدف إلى تطهير ما شاب البيئة العلمية من فساد، مما أنتج عقلية علمية مشوشة أفرزت حقدًا أسود فى النفوس، وتلفا كبيرا فى العقول، وتقليدا أعمى فى الهوى، توطئة لاستبدالها بمناخ صحى، يجمع ولا يفرق.