القصة التي سنحكيها لأولادنا

مقال لـــ إبراهيم الجارحي
«الحكايا التي لا نكتبها تصبح مُلكا لأعدائنا» – عبارة على لسان شخصية في رواية «طفل الممحاة» للكاتب إبراهيم نصر الله .
لم تكن دراسة التاريخ يوما ضربا من الترفيه وإلا كانت مادة التاريخ قد ألحقت بإحدى معاهد المواد الفنية والترفيهية، لا في أقسام الفلسفة والتأصيل لكل العلوم تقريبا.
فالتأريخ ودراسة التاريخ ضرورة بنائية في مسألة إنشاء الوجدان الإنساني كله من حيث أن هذا الوجدان يشمل العقل الجمعي الذي يجمع خبرات الجنس البشري في الحياة على هذا الكوكب، وينقلها إلى الأجيال القادمة حتى لا تضطر في كل حلقة تاريخية إلى إعادة اختراع العجلة واكتشاف النار ومعرفة أن القرارات السياسية الغبية تقود إلى التهلكة.
ونعاني في بلادنا من أزمة الاستهتار بالتاريخ بمنظورية الدراسي البحثي والتطبيقي، ووصلت هذه الأزمة إلى ما يبدو أنها حالة عداء مع تاريخنا كله مهما كانت حقبته، فكل شيء عرضة للتسفيه والابتذال والانتقاص من قدره وكأننا نرغب بشكل جماعي، ولسبب لا يعرفه أحد، في التخلص من عبء امتلاك هذا القدر من الحضارة.
نحن لا نهتم بتأريخ مسيرتنا الحضارية على الرغم أننا شركاء مؤسسون في الحضارة الإنسانية، ربما لم يسبقنا أحد إلى فكرة الدولة والمدنية والحكم أصلا
وبلغ إهمالنا في التوثيق والحفاظ على التراث الملموس وغير الملموس مبلغا لم يسبقنا أحد إليه أيضا، ولم يكن أسوؤها مطلقا لصق لحية قناع توت عنخ آمون، أهم قطعة أثرية في العالم بالإيبوكسي، وإتلاف هرم زوسر المدرج، أقدم بناء حجري في العالم، بعملية ترميم خائبة أخرجته من عداد الآثار.
وليس مستغربا أن تنجح الدعايات اليهودية في نشر فكرة أن اليهود بنوا الأهرام، رغم أن هجرات العبرانيين وظهور بني إسرائيل في مصر جاء بعد أكثر من ألفي سنة من بناء الأهرام، وليس ذلك نجاحا للدعايات الإسرائيلية بقدر ما هو تأكيد على غياب أي فعل إيجابي من جانبنا لإثبات ما هو ثابت بالفعل، وهو أننا نحن بنينا الأهرام.
وليس مستغربا بعد ذلك أن يأتي يوم قريب تحتفل فيه إسرائيل بانتصاراتها العسكرية في حرب أكتوبر، لأننا تأخرنا أكثر من أربعين سنة في توثيق هذه الحرب التوثيق الذي يحمي حق شهدائنا وأبطالنا في هذه الحرب، ويحمي حق الأجيال في وراثة هذا الانتصار الساحق.
وكان لي مؤخرا لقاء مع المجموعة 73 مؤرخين، وهي مجموعة مستقلة تقوم بعمل رائع في حماية التراث العسكري والإنساني الذي يحيط بحروب مصر مع إسرائيل، لكن هذا العمل الرائع تحيطه شجون مريرة من إهمال أجهزة الدولة أو تراجعها أو تخاذلها في التعاون مع عمل هذه المجموعة التي تنفق من مالها الخاص على توثيق شهادات أبطال الحرب قبل أن ينتقلوا إلى جوار ربهم، أو تنتقل ذاكرتهم إلى العدم وهم أحياء.
وتنتج هذه المجموعة أفلاما وثائقية على درجة طيبة من الجودة، لكن أولوية أو مسؤولية إنتاج هذه الوثائق أو تسجيل مادتها الأصلية ما كان يجب أن تكون مسؤولية تلقى على متطوعين تجرهم الغاية وتعجزهم الوسيلة إلى درجة الإرهاق المادي.
صحيح أن المجموعة اعترفت بحصولها على دعم نوعي من القوات المسلحة أثناء تصوير وثائقياتها، لكن القانون يمنع القوات المسلحة من المساهمة في إنتاج آخرين لهذا النوع من المواد التأريخية، ويلزمها بإنتاجها بنفسها.
كل هذا بينما تتعاون الجيوش في دول كثيرة مع شركات الإنتاج السينمائي وصناعة الأفلام الوثائقية إلى درجة التعديل على السيناريوهات والمشاركة بالقوات والتمويل والخبرة العسكرية والوثائق.
والفارق بين النمطين هو أن الأمة المصرية تفقد يوميا قدرا لا بأس به من التاريخ، بينما تبني أمم أخرى تاريخا ربما كان بلا أصل ولا تحقيق.
سيأتي يوم علينا لا نجد قصصا نحكيها لأبنائنا رغم أننا نملك القصص، وفي نفس ذلك اليوم سيحكي أعداؤنا قصصا وهمية لأبنائهم تبني وجدان العظمة فيهم على حساب انتصاراتنا وإبداعاتنا وأهرامنا لأنهم درسوا التاريخ ونسيناه نحن.