مستشفى الخانكة.. دار السجن والموت والجنون

كتبت – شيماء جلهوم
ليس أقصى على النفس من أوجاعها، إلا مواجهة الموت بلا داعٍ يذكر، ودونما إنذار مسبق، فلا حيلة تستطيع بها مواجهة شبح الموت القادم بلا استئذان، يقف كل صباح على مدخل مستشفى «الخانكة للأمراض النفسية»، ليختار ضحيته الجديدة، ضحية لا تهم أحدًا، صارت منذ زمن بعيد مجرد رقم فى سجلات المشفى البعيد، ثم صارت رقما آخر لضحايا لفحات النار، التى هبت سخونتها على مصر، وحصدت أنيابها أرواح 40 مواطنا، كان 10 منهم فى «الخانكة»، حيث لا مناص من الموت فيه لسبب نفسى أو عضوى أو «لموجة حارة».
داخل مستشفى الخانكة للأمراض النفسية، المرضى فى عنابرهم، يقاومون الحر بالنوم على الأرضيات السيراميك، أو الفوز بسرير أسفل مروحة متهالكة، أو «خرطوم» مياه باردة مرتين يوميا كوسيلة للاستحمام.
طاقم التمريض المكون من 4 أشخاص يتولون العناية بـ70 مريضا فى كل قسم، يكافح كل فرد فيهم من أجل أن يمر اليوم على خير، و30 قسما خطها المهندسون الإنجليز قبل عقود على مساحة تقترب من 30 فدانا، تصميم حافظت عليه محاولات التطوير، التى لم تصل يوما إلى ذات الجودة التى قامت عليها «دولة الخانكة» -كما يسميها عاملوها- وقت إنشائها.
2109 أسر، هى سعة المستشفى الكلية، بينما يضم بين جنباته 1500 مريض فعليا، أو كانوا كذلك قبل الأول من أغسطس، حين مر ملاك الموت على المستشفى ولم يغادره منذ ذلك الحين «أول حالات الوفاة كانت يوم 1 أغسطس ولم يكن السبب درجة الحرارة»، يتحدث محمد جمعة، مسؤول التمريض داخل «قسم 11»، ما زال ترمومتر الحرارة المدون عليه اسم المريض «عبد الله فتحى»، فى مكانه على المكتب بجوار باقى أجهزة قياس الحرارة، بينما خلا المستشفى وأوراقه الرسمية من اسم المريض، «ورق المريض بعد الوفاة بيتحول للأرشيف»، غاب الحاج عبد الله، 57 سنة، بعد غيبوبة مفاجئة اكتشف على أثرها أنه مريض بالقلب ومصاب بانسداد فى الشريان التاجى «معظم المرضى النفسيين بيدخنوا بشراهة وخصوصا إن الأدوية النفسية بتساعدهم على ده، لأنها بتفتح الصدر جدا ومع الأسف الحاج عبد الله كان بيدخن كتير جدا».
الجمعة 31-7، الساعة الثالثة عصرا، صوت حشرجة يأتى من أحد الأسرّة، يتلفت الجميع نحو مصدر الصوت، طاقم التمريض لم ينتظر طويلا، حتى استدعى الطبيب النبطشى ليكتشف أن استعدادات المستشفى لا تناسب حالة «عم عبد الله»، «إسعاف المستشفى مع الأسف غير مجهز، فاضطررنا إلى نقله إلى المستشفى المركزى لتغيير عربة الإسعاف، ثم نقله إلى مستشفى السلام ومنه إلى الدمرداش، حيث توفى بعدها بيوم واحد»، كانت ليلة فارقة فى صيف مستشفى الخانكة للأمراض النفسية، فالليلة التى أنهت الأجواء المعتدلة لدرجات الحرارة داخل المستشفى، أبت أن تغادر إلا وهى حاملة أول ضحايا أغسطس «عملنا كل اللى نقدر عليه لإنقاذ حالة عم عبد الله لكن فى النهاية ده قضاء الله».
ضعف القلب كان البداية، لكن الموت الذى خيم على المشفى النفسى بقى واحدا رغم اختلاف الأسباب، حالات متعددة طالها الموت فى معظم الأقسام، وصل عددها -حسب تصريحات وزير الصحة- إلى 10 حالات، وهو ما أكده الدكتور مصطفى شحاتة، مدير المستشفى «فيه 4 حالات وفاة لأسباب أمراض مزمنة و6 فقط بسبب الحر»، ارتفاع مفاجئ فى درجة الحرارة، يصل لأواخر الثلاثين، يتم التعامل معه بالخوافض المعتادة والكمادات الباردة، لكن لا شىء يجدى، الحرارة تبقى على ارتفاعها، بلا أى أعراض مصاحبة، الهاتف المحمول لا يغادر أذن عم محمد الطيبى «مسؤول تمريض المستشفى» يحاول استدعاء الإسعاف بلا مجيب، «كل اللى بنطلبه عربية إسعاف تنقل المريض من عندنا لحميات بنها، وبتوع مرفق الإسعاف بيرفضوا بسبب قرار الوزير». قرار وزارى صدر قبل شهور، تسبب فى تأخر إنقاذ مرضى الخانكة «بيطلبوا مننا رقم تليفون الدكتور المتابع فى حميات بنها أو مستشفى السلام أو قصر العينى والدمرداش، طب وأنا أجيب أرقام الدكاترة هناك منين»، سيارات الإسعاف التى عرفت الطريق إلى المستشفى منذ وصلت عدسات التصوير إليه، لم تكن كذلك قبل أيام حين احتاج إليها 10 مرضى كان التأخر فى إسعافهم سببا فى التعجيل بموتهم، «إحنا كنا بنعمل كل اللى نقدر عليه هنا فى رعاية المستشفى لكن ما باليد غير 5 تكييفات».
«5 تكييفات، 20 سريرا، 8 مراوح سقف» هى كل استعدادات حجرة «الرعاية الحرجة» فى مستشفى الخانكة، الذى من بين حالات الوفاة التى حدثت مؤخرا به حالة فاجأتها «أزمة قلبية»، وآخر «مريض سرطان»، ثالث مصاب «بالدرن»، لا تختلف الرعاية الحرجة عن باقى الأقسام بالمستشفى، «24» هكذا أشارت اللافتة المعلقة على مدخل القسم، الذى توفيت بداخله حالتان جراء الارتفاع المفاجئ فى درجات الحرارة، لم يفرق الموت بين حالتين فرقتهما خانة الديانة فى البطاقة الشخصية، فحمل أحدهما صليبا على يده واسمه «فيكتور فخرى» فى كشوف المشفى، بينما حمل الآخر اسم «جمال محمد».
فى 2010 كانت أول أعوام فيكتور فى المستشفى، حالة فصام حاد، هكذا يشير سجل حالة فيكتور، الذى سُجل به سبب الوفاة «طبيعية»، وهو ما لم يعترض عليه الأهل قبل أن يحملوه خارجا لدفنه بمعرفتهم «فى نوبة مرور عادية اكتشف التمريض أن حرارته أعلى من المعدل الطبيعى بدرجة ونصف، وذلك فى الساعة الثالثة عصرا، وهو ما استدعى قيام طبيب النبطشية بإعطائه خافض حرارة وعمل كمادات باردة»، كان موعد المقدس فيكتور مع الموت قريبا جدا، بدرجة لم يتصورها أحد «بعد ساعة إلا الثلث من محاولات إسعافه كان مات». المحاولات التى فشلت مع «فيكتور» لمدة 40 دقيقة، لم تفلح كذلك مع «جمال» الذى وصلت حرارته إلى 40 درجة، فاكتفى النبطشى بأمبول مضاد حيوى مع الخافض، وتم نقله للمستشفى المركزى، الذى أعاده من جديد لرعاية الخانكة ليتوفى فيه «ماكنش فيه أى أعراض أخرى غير الحرارة»، الموت الذى أنهى حياة مريضى قسم 24، لم يأت إلا بعد أن أنهى كلاهما إجازته وتحدث مع عائلته فى مكالمة أخيرة «الغريبة أن كل واحد فيهم زى ما يكون عارف إن النهارده نهايته، والاتنين كلموا أهلهم قبل الوفاة بساعات قليلة».
«1500 مريض، 30 طبيبا، 400 ممرض»، الجملة التى يكررها الدكتور مصطفى شحاتة مدير المستشفى، ليردد بعدها بقوة أنه لا يتحمل مسؤولية من ماتوا جراء الموجة الحارة، لكن «رب ضارة نافعة»، 10 ضحايا لحر أغسطس، يتمنى محمد هانى، من طاقم تمريض المستشفى أن يكونوا سببا فى عودة الروح للمستشفى الإنجليزى العريق «مستشفى بالحجم ده ومافيش فيها تكييف مركزى إزاى؟ وكل اللى فى إيدينا خرطوم ميه نحمى بيه المرضى»، منشور جديد من وزارة الصحة تم تكليف إدارة المستشفى بمتابعة تنفيذه «قياس الحرارة والضغط وحمام بارد للمرضى كل 3 ساعات»، المنشور الذى اشتمل على بندين اكتفى أطباء المشفى بمتابعة البند الأول منه، الذى أمر بتخفيف جرعات دواء الأمراض النفسية إلى النصف فى بعض الحالات، ورفعها تماما فى حالات أخرى «معظم الأدوية الخاصة بالمرض النفسى تسبب احتباس الحرارة داخل الجسد، ومنع التعرق، مما يسبب الوفاة المفاجئة فى حالة ارتفاع درجة الحرارة»، بينما تحملت طواقم التمريض مسؤولية البند الثانى، عمل دؤوب لا يتوقف، وحركة مستمرة لا تنقطع، أبطالها 4 رجال فى كل قسم، منهم من يمرض أكثر من 70 مريضا فى بعض الأقسام، وعددا أقل من هذا بقليل فى أقسام أخرى، قياس حرارة لكل مريض ثم متابعة ضغط الدم فى مدة زمنية تتجاوز الدقائق العشر لكل حالة، ثم يبدأ بعدها طابور الاستحمام، وما إن ينتهى حتى تبدأ الجولة من جديد «إحنا مابنقعدش تقريبا وآخر اليوم الوزارة بتحاسبنا على 15 جنيها للنبطشية»، على الأرض الباردة جلس المرضى يلتمسون برودة تسرى فى أوصالهم، فتقيهم الحرارة المنبعثة فى أجساد لفها المرض، بوجوه تعلوها ابتسامة مرهقة، وعيون ذاهلة، استقبل مرضى مستشفى الخانكة عددا مهولا من وسائل الإعلام، خلال يوم واحد، لا يعرف أحد منهم شيئا عن أسباب توافد هؤلاء على المكان، فهنا لا أحد يحزن لوفاة آخر، فالجميع ينتظر لحظته الآتية لا محالة، وكذلك ليس هناك ما يدعو لفرح، سوى «علبة عصير» يتمناها «عم نظمى»، الذى قضى قرابة نصف عمره خلف أسوار الخانكة. عشرون عاما كاملة قضاها فى «قسم المذنبين»، يقضى عقوبة جنائية حكم عليه فيها بعد قتله شقيقته، وبعد انقضاء المدة رفض أهله استلامه «إحنا عاوزين عصير.. حرام الناس اللى هنا فى الحر ده مافيش حاجة ترطب على قلبهم»، بعقل يبدو راجحا، وكلمات مرتبة، تعرف طريقها لنصرة المرضى، تحدث نظمى: «المستشفى قايمين بالواجب بس مافيش عقل»، يضحك الرجل الستينى ويشير إلى وجبة الغداء المغلفة «فى حد فى الجو ده ياكل رز ولوبيا ولحمة، والأكل جاى سخن نار»، يتذكر نظمى التطوير الذى حدث فى المستشفى فى أعقاب الحادثة الإرهابية التى نفذها مختل عقليا فى أوتوبيس سياحة بميدان التحرير قبل قرابة السنوات العشر «وقتها الشرطة اهتمت بالمستشفى وقسم المذنبين فيها، وبعدين الاهتمام بقى للمستشفى كله»، أيامه الطويلة «بالمذنبين»، ما عاد يرغب فى تذكرها بعد الآن، مكتفيا بلعبة الدومينو وجلسات السمر مع زملاء العنبر وممرضيه «أنا هنا الألفة بتاع القسم، وحتى الدكاترة بيعتمدوا عليّا أنى أساعد زمايلى اللى حالتهم تعبانة».
«تعرف حد من اللى ماتوا يا عم نظمى؟»، سؤال لم يباغت الرجل، لكن كانت إجابته مباغتة، «أعرف كتير من اللى لسه هيموتوا»، ضاحكا يتجول فى العنبر، فرحا بنجاحه فى الدفاع عن حق المرضى فى «علبة عصير»، لا يفارق يده الراديو الصغير وسماعة الأذن تنقل إليه صوت أم كلثوم يتهادى عبر الأثير «القلب يعشق كل جميل»، فى المستشفى العريق، تبدو أغانى أم كلثوم جزءا من العلاج، فلا ينقطع صوتها فى كل عنبر بالمستشفى، فصوتها والقرآن الكريم، هما أول مواد الترفيه فى عنابر المرضى على اختلاف حالاتهم، إلا «نيشان»، صاحب الموهبة الفنية فى الرسم، وكذلك صاحب مرض نفسى جعل عائلته الغنية تجد فى مستشفى الخانكة مكانا أفضل لإقامته بعيدا عنها «أمى جابتنى هنا»، ما زالت ذكرياته عن والدته ومواقفها معه حاضرة فى ذهنه، لا يبعدها عنه حرارة شمس، أو برودة جو «لو الموت سهل كده وبييجى بشوية حرارة طب ماجاش ليا ليه»، بحزن شديد، وكلمات متقطعة أغلبها غير مفهوم، يحكى نيشان قصته مع دخوله المستشفى، لكنه لا يعرف متى سيخرج منه «أنا مش عاوز أمشى».
فى نهاية اليوم تبدلت أحوال المرضى، وظهرت البهجة على وجوه البعض منهم، فها هم زملاء المرض، ورفقاء العنبر الذين رحلوا قبل أيام للحميات قد عادوا من جديد «اللى بيجيلهم ارتفاع حرارة مستمر بننقله ع الحميات على طول، ودى أول دفعة تيجى دون وفاة»، فى سيارات إسعاف مجهزة تابعة لمستشفى حميات بنها، وصل طاهر، والبراء الحيلة، وعم مصطفى، الثلاثة وصلوا لتوهم إلى قسم 23، الذى استقبلهم ممرضوه بحفاوة شديدة «اتكتبلهم عمر جديد»، «كالونا» للحقن الوريدى، حملت تاريخ اليوم، ودرجة حرارتهم فيه معلقة على كف كل منهم «اتعالجنا بنفس العلاج اللى كنا بناخده هنا مضادات حيوية ومحاليل وكمادات والحمد لله حالتنا اتحسنت»، يتحدث طاهر، الشاب الذى سيكمل عامه السادس والثلاثين بعد خمسة أيام، وهو لا يملك غير أمنية واحدة يعلم أنها صعبة التحقيق «مش عاوز أكمل عمرى هنا أنا عايز أمشى»، وعد تقطعه والدته فى كل زيارة بأنها ستكون الأخيرة، وأن المرة القادمة سيأتى معها للمنزل، يعلم هو أنها تكذب، فلو كانت صادقة ما انتظرت مرة قادمة «المستشفى كويسين وأنا باكل وباشرب وباستحمى، بس أنا خلاص خفيت وماعنديش بواسير تانى»، «لا يعرف طاهر سبب وجوده فى المستشفى، فآخر ما يتذكره أن أمه أخبرته ذات يوم أنه سيذهب للمستشفى للعلاج من البواسير، ومنذ ذلك الحين وهو لا يعرف متى سينتهى علاجها»، ابتسامة كبيرة على وجه عم مصطفى، القادم من الموت كما يحكى: «لما عرفت إن فيه حالات ماتت فى المستشفى بسبب الحرارة أول ما حرارتى عليت قلت أنا خلاص رايح»، بتعقل شديد وحكمة تبدو واضحة يتحدث الرجل الخمسينى الذى قضى قرابة السنوات السبع خلف أسوار الخانكة «التمريض هنا زى إخواتنا وولادنا ومافيش حد فيهم مقصر».
تحت المروحة العالية، جلس أحدهم مستندا برأسه إلى الطاولة، بينما بلل آخر منديلا ووضعه على وجهه رغبة فى كسر الموجة الحارة، ربما غاب العقل عن أغلب من فى تلك البقعة النائية من القاهرة الكبرى، لكن القدرة على الإحساس بدرجات الحرارة ما زال أغلبهم يحتفظ بها «إحنا مابنحطش غطيان الحلل على دماغنا، ولا بنرقص ونغنى زى الأفلام.. إحنا بنى آدمين وعايزين نعيش ونموت بنى آدمين».
المطلب الأخير الذى ردده «عم نظمى» طويلا، وهو يشير إلى لافتة حائطية تسرد حقوق المريض النفسى، يؤكد الدكتور مصطفى شحاتة مدير المستشفى، أن إدارة المستشفى بالتعاون مع جمعية «كريتاس» تسعى دوما للاهتمام بشؤون المرضى، وأن ما حدث إبان الموجة الحارة الحالية هو «أمر طارئ»، مضيفا أن حالات الوفاة ليست فقط فى الخانكة، لكن الوزارة رصدت حالات أخرى فى مستشفيات متفرقة «لو فيه إهمال يبقى مش إحنا السبب فيه، لإن ده ما تسمح به الإمكانيات فى مستشفى به 1500 مريض و30 دكتورا و400 ممرض».
25 تكييفا، ربما يصبحون هم أمل مرضى مستشفى الخانكة لتجاوز الموجة الحارة، «مش هنقدر نطلب إننا نكيف المستشفى تكييف مركزى، لكن على الأقل أنا باطالب بتوفير غرفة عزل مكيفة فى كل قسم، أقدر أتعامل فيه مع أى مريض يتعرض لحرارة عالية».