الطالب : " التواصل مقطوع مع المنظومة التعليمية "

كتب – عماد ماهر
لطالما كره الكثير من الطلبة الأدب بأنواعه بعدما فرض عليهم أن يحفظوا نصوص لكبار الأدباء والشعراء أمثال طه حسين، والعقاد، وحافظ إبراهيم، أحمد شوقي، ليحصدوا رقما في شهادة نهاية العام، وكم تكون كلمات هذه النصوص ثقيلة على تلاميذ مدارس يفتقد معلميها النطق الصحيح للغة العربية، وإذا فشل الطالب في جمع درجات تلك النصوص، تكون سببا في كراهيته لأدباء وشعراء كبار، بل وسببا في كراهيته للأدب بشعر عام، لأنه لا يستطيع أن يحب أدبا فُرض عليه، أو شعرا طُلب منه أن يحفظه عن ظهر قلب.
لجان لا تدرك مفهوم «الأدب»
الناقد الدكتور حسين حمودة، أكد أن هناك مشكلات كبيرة، متعددة الجوانب، ترتبط بمقررات التعليم قبل الجامعي في مصر، ومن ضمنها ما يتصل بالمجال الأدبي، وهي مشكلات تطال الأسماء أو اللجان التي تضع هذه المقررات، ومفهومها عن الأدب، وما تختاره منه، وتصورها عن طرائق تدريسه، ففي فترة من الفترات، كانت هناك عناية باختيار من يقومون بوضع المقررات الأدبية، فكان من هؤلاء مثلا أسماء مثل: طه حسين، وأحمد أمين، وزكى نجيب محمود وغيرهم، أما الآن لا نجد مثل هذه العناية.
«ذاكرة صماء»
وأوضح أن أغلب القائمين الآن على وضع مقررات الأدب، لا يؤمنون بقيمة التعدد ولا بأهمية التفكير النقدي أو الخلّاق المستقل، ولذلك يتعاملون مع الطلاب على أنهم مجرد “ذاكرات” صماء لا تعي، وعليها أن تسلك طريقا واحدا لا شريك له في تلقى الأدب، الذي هو نشاط إبداعي يمكن تلقيه بطرائق متنوعة لا حصر لها.
«ذائقة تقليدية»
وأشار إلى أن النصوص الأدبية، بأنواعها المختلفة، الشعرية والقصصية وغيرها، يتم اختيارها بذائقة تقليدية تقف عند حدود أزمنة غابرة قديمة، وتكرّس لأسماء دون سواها، ولا تكاد هذه الذائقة تعترف بالنتاج الأدبي الحديث، المصري والعربي، خلال العقود الحديثة الأخيرة، أحدث ما تراه هذه الذائقة التقليدية من الأدب العربي رواية تاريخية مبكرة كتبها نجيب محفوظ في نهاية الثلاثينيات، أو “سيرة” كتبها طه حسين قبل ذلك، أو قصيدة وطنية كتبها صلاح عبد الصبور مع حرب 1973، وكأن هؤلاء لم يكتبوا غير هذه الأعمال، أو كأنه لا يوجد مبدعون ومبدعات بعد هؤلاء.
«نصوص غريبة»
وتابع: أن النصوص الأدبية في المقررات الأدبية بعيدة تماما عن عالمنا المعاصر، وعن قضاياه ومشكلاته وإيقاعه المتسارع، وهي باختصار نصوص “غريبة” على الطلاب والطالبات مثلما هم “غرباء” عنها، ونتيجة لذلك يتعاملون معها كعبء ثقيل مفروض عليهم، وتقريبا تنتهي علاقتهم بها إلى شكل من أشكال “الكراهية”، وكراهية هذه النصوص، وكراهية اللغة العربية الفصحى التي كتبت بها هذه النصوص، وبجانب هذا، فطريقة التعامل التي تفترض هذه المقررات أنها الطريقة “النموذجية” في دراسة الأدب، هي طريقة تقوم على “الاستظهار” أو “الحفظ”، أو “التلقين”، ولا تهتم أبدا بتنمية ملكات التفكير أو التقويم أو النقد أو الإبداع، ويجب على الطلاب أن يلغوا عقولهم ويتخلصوا من ذواتهم، وألا يتجاوزوا حدود “الذاكرة” كي يحصلوا على أعلى الدرجات، ووهذا كله يؤدي إلى “تنميط” عملية تلقى الأدب الذي هو بعيد في جوهره عن أي تنميط.
«عالمنا الراهن»
وأكد أن تجاوز كل هذه المشكلات في مقررات الأدب المدرسية يحتاج إلى حلول جذرية ومبدعة في الوقت نفسه، تبدأ من العناية باختيار القائمين على وضع هذه المقررات، ومن الاهتمام بالنصوص الأدبية التي تنتمي إلى عالمنا الراهن، ومن إعادة النظر في أهداف دراسة الأدب، ومن الحرص على تنمية قدرات التفكير والنقد والإبداع عند الطلاب، فتحتاج المقررات الأدبية الراهنة إلى عقليات أخرى تحترم عقول الطلاب وذائقاتهم، وتراعي أعمارهم، وتنطلق من اهتماماتهم وقضاياهم، وتستطيع أن تجعل علاقتهم أفضل بالأدب، وبأنفسهم، وبوطنهم، وبالعالم من حولهم.
«تذوق الأدب»
وأكد الدكتور شعيب خلف، مدير قصر ثقافة المنيا، أن كره طلاب المدارس للغة العربية عامة، ولأدبها ونحوها على وجه الخصوص، يرجع للعديد من الأسباب: بدايتها اختفاء الكتاتيب من القري والتي كانت منتشرة بين ربوع مصر كلها في الزمن الماضي، وهي التي أخرجت جهابذة اللغة وفحولها في العصر الحديث، كما أن قراءة القرآن وحفظه ومعرفة أحكامه هي أساس استقامة اللسان، وجمال الخط، وهذا ما كانت تحرص عليه هذه الجامعات الأولى، فتخرج لك متعلمًا يجيد القراءة والكتابة إجادة تامة، وهما أساس الفكر ونبتته الأولى، فإذا فقدهما في سن مبكرة يصعب عليه بعد ذلك حب اللغة وتذوق جمالها في إبداعها المكتوب من: شعر، وقصة، ورواية، ومسرح، ويري هذه النصوص مسألة صعبة منفرة فكيف له أن يصل إلى دلالة نص أو التمتع بجماله وهو لا يجيد قراءته قراءة صحيحة.
«استقامة اللسان»
وأضاف أن هذه اللغة العربية يفتقدها معلم اللغة العربية قبل متعلمها، وهنا فاقد الشيء لا يعطيه، والحل في رأي هو العودة لجذر المشكلة، وهو استقامة اللسان وإتقان تعلم الكتابة لذلك لابد من عودة الكتاتيب في شكل حديث متمثلًا في مدارس القرآن، ونشرها في ربوع البلاد ما يصنع لأطفالنا ذائقتهم، ويرتب أفكارهم، فيقبلون على قراءة الشعر والأدب، وتذوق جماله.
«أصوات تجيد الإلقاء»
وأشار إلى أنه يجب على واضعي هذه النصوص التدرج في اختيارها حسب الصعوبة من سن لسن فلا يجب أن أقرر شعرًا جاهليًا على المرحلة الابتدائية مثلا بما فيه من صعوبة، كما يمكن أن تمنح النصوص المقررة بأصوات تجيد الإلقاء من نجوم المسرح أصحاب الأصوات الجهيرة للطلاب على هيئة سي دي.
«مقررات سخيفة»
أكد الشاعر أشرف عتريس أن جميع الأجيال تعاني «سخافة» المقررات الأدبية، بداية من الأناشيد والمحفوظات في المرحلة الابتدائية، إلى النصوص في المرحلة الثانوية، فتلك المقررات التي تزيد من القطيعة بين الشعر وجمهوره، والتي لا تعرف مدارس الشعر المختلفة على مدى أجيال وتظل البلاغة القديمة من استعارة وتشبية وكناية وتورية، هي مايعرفه طالب المدارس في مصرنا، التي هي “منبع” الشعر العربي وتطوره والتاريخ يشهد بذلك.
«نماذج لا تواكب المشهد»
وأوضح أن في الجامعة أيضا تتفاقم المشكلة، من حيث اختيارات أساتذة اللغة العربية في الكليات المتخصصة من نماذج شعرية لا تواكب المشهد الإبداعي، الذي يتجدد مع كل حرف يكتبه مبدع حقيقي، ونعرف بالكاد أمل دنقل ونازك الملائكة وريادتهما للشعر الحر في مصر والعراق ولا نعرف شيئا آخر.
وأوضاف أن هكذا تكون علاقتنا بالنقد الأدبي الحديث والمدارس الشعرية في مرحلة التكوين، كيف لنا أن نراهن على ذائقة أدبية تعرف الكثير والمُعطى أصلا لا يشبع.