فن الواو

مآهـــو فــن الــواو ؟
الواو فن شعبي انتشر في صعيد مصر في فترة ما ، وهو فن قولي (شفاهي) أي غير مدون ، ولكن تحفظه صدور رواته ومحبيه ، وكما هو معروف من خصائص الشعر الشعبي التي تميزه ، هو نمط تعبيري قولي يعتمد اللغة الشعبية كأداة للتشكيل الفني مع أداة أخرى هي الإيقاع الموسيقي المحدد وذلك بعد ما تجاوزت اللغة الشعبية – أداة هذا الشعر – حدود القواعد النحوية (الإعرابية) والصرفية ويضاف إلى ذلك كله خاصية مجهولية المؤلف .
و الواو فن شعري شعبى قولى سماعى وليس كتابياً إذ أن الكتابة تكشف كل الحيل الصوتية الناتجة عن الجناس الكامل فى قوافيه وعندئذ تنحل كل مغاليقه فيفقد كثيراً من روعته وبهائــه كفن شعبى أصيل .
وكما أن الموال البغدادي (الرباعي) يعتمد نظام الأغصان الأربعة – ذات قافية واحدة – فكذلك فن “الواو” فهو يعتمد – مطلقا – نظام الشطرات الأربع التي تكون بيتين شعريين ولها نسق موسيقي خاص وبشرط أن تتحد الشطرتان الأولى والثالثة في نفس القافية والشطرتان الثانية والرابعة في نفس القافية المغايرة لسابقتها، كما يعتمد هذا الفن على التجنيس (الجناس بمعناه اللغوي تاما كان أو ناقصا) المغرق – أحيانا –
في التعمية .
ومنه قول الشاعر أحمد بن عروس ( والذي يعيد له الرواة بداية هذا الفن ) :
لابّد من يوم معلوم
تترَدّ فيه المظالم
أبيض على
كل مظلوم
أسود على كل ظالم
هذه شطرات أربع تكون بيتين شعريين من بحر “المجتث” وهو بحر شعري له نسق موسيقي طرب له الشعراء المحدثون فأكثروا من نظمه،ولا
نكاد نعلم شيئا عن هذا الوزن قبل عصور العباسيين .
ازدهر فن الواو في
عصر المماليك والأتراك وكان كثيرا ما يلجأ إلى التورية والكلام غير المباشرحتى يستطيع أن يفلت من الرقابة الصارمة التي تفرضها عصور الاستبداد عندما يكون الفن منحازا للجماهير ضد سيوف الحكام.
هناك نوعان من المربعات هما المربع
“المفتوح” الذي يسهل فهمه واستيعابه مثل المربعات التي استخدمها “بيرم التونسي”و
“المربع المغلق” الذي يستعصي على الفهم إلا على أهل منطقة بعينها مثل المربعات التي
يستخدمها أهالي محافظة قنا من إسنا إلى أبي تشت.
من أمثلة ذلك قول
الزجال “علي النابي” في وصف محبوبته عندما رآها تشرب الماء من “القلة”:
أقول
له يقول لا
والقلب مرعوب وخايف
ابقي قولي له يا قلة
حين توردي ع
الشفايف
وكذلك قول الشاعر المعاصر ” عبد الستار سليم :
أول كلامي
ح اصّلي
ع اللي الغزاله مشت له
واحكي له ع اللي حصل لي
وارمي همومي ف
مشاتله
وطالما نتحدث عن فن الواو فإننا لابد وان نذكر الشاعر القنائى القدير “عبد الستار سليم” الذى عمل جاهدا على احياء هذا الفن ، ويعتبر حاليا من اهم رواده،
والسؤال الذى يلح على اذهاننا لماذا يسمى بفن الواو ؟
حيث أن فن الواو فن قول وسماع لأن الذين ابتدعوه كانوا لا يقرأون ولا يكتبون ولكنهم يعتمدون على السماع مما جعلهم سريعى البديهة أقويـاء الملاحظة فكان الشاعر ابن عروس عندما يلقى بالمربع على الأسماع ينتظر قليلاً لكى يفك المستمعون مغاليق المربع ثم يستأنف بقوله “وقال الشاعر” فكثرت واوات العطف هذه فأصبحت لزمة لابد أن تقال وصارت سمه مميزة لهذا الشكل من القول ثم اسماً يتسمى به “فــن الــواو” .
اما لماذا كان يقول وقال الشاعـر دون ذكر اسمه فذلك حتى لا يقع
تحت طائلة العـقاب من السلطة الغاشمة .
قنــــا وفــن الـواو
اشـتهرت قـنــا دون غيرهــا بفن الواو لأنهــا كانـت منذ الفتح العربى الإسـلامى لمـصر محط الرحال لقبائل عربية نازحة من شبه الجـزيرة العربية ممـا أدى إلى ظهور أثر اللهجات العربية على اللسان القـنائي فجعله أقرب إلى االعربية من غيره من حيث المفردة وطريقة نطقها فكان لابد وأن تتـــــأثر طرائق القول الشعري بالفنون القولية الواردة ومنها شكل القـصيدة العربية التى كانـت سمة أساسية منها
.
خصائص فن الواو
يعتني فن الواو بالمشاركة الوجدانية بين الـمبدع والمتلقى يعتبر قالباً قولياً محدد الهوية صارم الملامح سهل التناول يعتنى بالوزن والقافية ويتميز بقصر الجمل وعمق المعنى يعتبر أرضية خصبة لاستيعاب القص الملحمي .
أشهر رواد فن الواو في عصر المماليك
احمد بن عروس
هو احمد بن عروس المولود بقنا عام 1780 مـ أيام حكم المماليك عاش امياً عاطلاً لا عمل له ولا صناعة مشحون الصدر بالحقد على المماليك الحكام والأغنياء البخلاء ,فيه قوة وصلابة وله قلب كالصخر لا يلين كما انه ليس له من العلم والمعرفة إلا ما استخلصه من الحياة بنفسه ولا دهشة من كونه زجالاً عظيماً يملأ القلب بلإعجاب ويفعم النفس بالتقديروهو الأمي العاطل وهو بين الزجالين كمنزلة المتنبى والمعرى بين الشعراء بل لعله يفوقهما حكمة وفلسفة إذا قدرنا انه رجلاً امياً لم يحصل على نصيب من العلم والمعرفة إلا ما استطاع ان يكونه بنفسه عبر معترك الحياة ودروسها .
نماذج من فن الواو:
لا تِذل نفسك لإنسان
في باطنه ليك
سوادي
صُدّه وخليك منصان
عنه ولو كان يعادي
___________
لا انا
من الهم مهموم ( مهتم )
لا للشرور عدت بايع
أضحك إذا كنت مهموم
والقلب كله
وجايع
___________
لا يوم من الهم فقنا
دي هموم توسق مراكب
راح
السبع يطلب عدلنا
لقى الكلب على التخت راكب
___________
كلامك زين
وعاجبني
وع اللي اتبلى ماتلوماشي
دا شيّ مكتوب عاجبني
واللي يعمله المولى
ماشي
__________
وللشاعر المعاصر ” عبده الشنهوري ”
إرمي
حمولك على الله
خَلَق الخلايق وعالها ( أعالها)
دنيا غرورة بلا
جاه
والعاقل اللي وّعي لها
___________
يامسحراتي الوطن
ليه
طوٌّل وطنا في نومُه
نّبّحت خصومه ولم ليه
زَعقَه تفرٌق
خصومه
___________
موجك يابحر ان هِدِي مات
وان قلْ مّلْحك بِعت
دم
واللي ما مالي الهدومات
يعيش حياته يتوع دم
___________
ليل
الحيارى ياليلين
يامين يقصر طوالك
ياليل وقلبك مابيلين
والعين ما نامت
طولك
___________
باين لي عصر الهّمّج عاد
يزحف ولا حد داري
من
غير مناسبة ولامعاد
جا الغرب يسكن في داري
___________
باين لي
عصر الهمج عاد
والسرقة عيني وعينك
ياللي انت ساكن ف بغداد
ع الغرب الله
يعينك
___________
هجمت ديابة علي عراق
نّهّشِت ما خّلت
خلايق
والدم يصرخ في لِعراق ( العروق )
والجسم كِرْه الخلايق ( الملابس )
___________
طول عمري اقدّم ف سبتي
ولا حد جاي لي
يواسيني
فوقي يادنيا وثبتي
ونشبتي ظفرك في
عيني
___________
ألبس جناح الحمامات
واطوف شمالي وجنوبي
أطلب
لكوني السلامات
والرحمة للي جنوبي
___________
يا حلو فتٌّح
شبابيك
تشرِح قليبي بهواها
لو إيدي تملك شبابيك ( شبابك )
أملِك أراضي
بسماها
___________
ياللي عيونك غيطان طيب
وكل نظرة بآه
لي
قليبي منك ما هّيطيب
غير لما اشوفك في أهلي
___________
طيف
جَهْ خطر لي من اميال
صّحٌّي ف قليبي وجيُبه
لو كان قليُبه لي
ميٌّال
قرٌّاب أروح له واجيبه ( قراب – في أقرب وقت )
___________
رِمش العذاري قتل ناس
تِحكّي عليهم حكاوي
من شط
دجلة لمكناس
لم لقيوا ليهم مداوي
___________
كسرة من الزاد
تكفيك
وتبقى نفسك عفيفة
والقبر بكرة يضويك
وتنام في جنب
الخليفة
___________
عيني رأت سرب غزلان
فيهم غزاله شريده
وانا
قلبي لمّا اتنغز لان
شاور وقال لي شاري ده
___________
انا اللى
حابك وعاشق
ويوماتى مشيلنى همك
وسهمك ف القلب راشق
وانت ياسيدى ولا
همك
___________
ولع في قلبي وزاد
في بعده انا صامت
يومين ما
دقت الزاد
وعيوني عشانه صامت
وأود التوضيح بأن هذا الشكل من الفنون
الشفاهية مجود في معظم أرجاء مصر ، لكن تحت مسميات مختلفة ، فمثلاً في أقصى الجنوب
( أسوان ) يسمى فن “النميم”وفي أقصى الشمال في ( العريش ) يسمى ” البوشان ”
وهومعروف لدى عائلة واحدة هي عائلة الفواخرية – عائلي – ويتغنى به فقط أثناء زفة
العريس من البيت الذي يكون فيه حمام العريس إلى بيت العريس – سيراً على الأقدام –
وهو طقس له مظاهر كثيرة .
من أمثلة فن البوشان :
غاب القمر اظلم
الليل
واللي يجاور يجاور
يا بخت من له ولف زين
يرفع الغطا وْلا يشاور .
( يقصد غطاء وجه العروس )